تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
وقد روي أنّ عمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم والزّبرقان بن بدر ، « 1 » وفدوا على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم ، فسأل عمرا عن الزّبرقان ، كيف هو فيكم ؟ فقال : « شديد العارضة « 2 » ، مطاع في أدناه ، مانع ما وراء ظهره » . فقال الزّبرقان : يا رسول اللّه ، إنّه ليعلم أنّي خير ممّا قال ، ولكنّه حسدني ، فقال عمرو : واللّه إنّك لزمر المروءة ، ضيّق العطن « 3 » ، لئيم الأب ، أحمق الخال ، ثم قال : واللّه يا رسول اللّه ، ما كذبت في الأوّل ، ولقد صدقت في الآخر ، ولكنّني رضيت ، فقلت أحسن ما علمت ، وسخطت ، فقلت أقبح ما علمت . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ من البيان سحرا » .

[ رأي الجاحظ ]

وقال الجاحظ : ما من شيء إلّا وله وجهان ، فيذكر المادح أحسنهما ، والذّامّ أقبحهما ، وقد قيل : إن من أعلى منازل البلاغة ، وأوفى مراتب الإبانة أن تمدح الشيء تارة ، وتذمّه أخرى مع قول الحق والتزام الصدق . وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه في وصيته لعمر رضي اللّه عنه : « إنّ اللّه تعالى ذكر أهل الجنّة ، بأحسن ما لهم ، وتجاوز عن سيآتهم ، وذكر أهل النار بأسوإ أعمالهم ، ولم يذكر حسناتهم » .
هامش
( 1 ) بالمخطوط : « الزيرقان بن سعد » خطأ . وأبو ربعي عمرو بن الأهتم المنقريّ : شاعر وخطيب مخضرم من أهل نجد . ت نحو 57 ه - 677 م ( الشعر والشعراء 2 / 632 ، ومعجم الشعراء 212 ، والأعلام 5 / 247 ) . وأبو علي قيس بن عاصم بن سنان المنقريّ التّميميّ : سيّد شجاع ، وشاعر فارس من المخضرمين . ت بالبصرة نحو 20 ه - 640 م ( البيان والتبيين 1 / 53 ، 218 ، والأغاني 14 / 66 - 86 ، وجمهرة أنساب العرب 216 ، والأعلام 6 / 57 ) . والزّبرقان بن بدر التميمي السعدي ، قيل : اسمه الحصين ، ولقّب بالزبرقان - وهو من أسماء القمر - صحابي ولّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثبت إلى زمن عمر ، وكان شاعرا فصيحا . ت نحو 45 ه ( المحبر 232 ، وطبقات ابن سلام 1 / 114 ، والأعلام 3 / 72 ) . وهذا الخبر في ( البيان والتبيين 1 / 53 ) مع بعض اختلاف وتقديم وتأخير و ( العمدة 1 / 428 ، وكفاية الطالب ص 41 ) . ( 2 ) يقال : رجل شديد العارضة أو قويّها : بمعنى أنّه ذو جلد وصرامة ، وقدرة على الكلام وتنقيحه ، وبديهة ، ورأي جيّد ( لسان العرب ، وتاج العروس : عرض ) . ( 3 ) بالمخطوط : « لذمر المروءة » . والزمر من الرجال : القليل المروءة ، وفعله : زمر كفرح . والذّمر : هو الشديد المنكر ( تاج العروس : زمر ، ذمر ) . والعطن للإبل والغنم مربضها عند الماء ، وهو لها كالوطن للإنسان ، ويقال : فلان واسع العطن ، أي : واسع الصّبر والحيلة عند الشدائد ، كثير المال سخي ، وضده ضيق العطن ( لساب العرب ، تاج العروس : عطن ) .