ولو وضعت فقاح بني نمير * على خبث « 1 » الحديد إذا لذابا
ومثله قول أبي نواس :
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه * لتخافك النّطف التي لم تخلق « 2 »
فأما قول أبي الطّيّب :
يترشّفن من فمي رشفات * هنّ فيه أحلى من التّوحيد « 3 »
فقد أفرط فيه غاية الإفراط ، هذا إذا تؤوّل على أنّ التّوحيد عنده غاية المثل في الحلاوة ، وإن حمل على خلاف ذلك ؛ لم يكن غلوّا ، لكن يكون كفرا ، ومن الإفراط المعيب قوله :
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه * لمّا أتى الظّلمات ، صرن شموسا « 4 »
أو كان صادف رأس عازر سيفه * في يوم معركة ؛ لأعيا عيسى « 5 »
أو كان لجّ البحر مثل يمينه * ما انشقّ حتّى جاز فيه موسى « 6 »
أو كان للنّيران ضوء جبينه * عبدت ، وصار العالمون مجوسا
فهذا كلّه إفراط ، يعاب به قائله ، وينحطّ به محاوله ، لكنّه يعذر قليلا بذكره « لو » ؛ لأنّ معناها امتناع الشيء لامتناع غيره ، فلمّا علّق ممنوعا بممنوع ، أفاد ذلك الإخبار عن امتناع الجميع ، كما أفاد قوله تعالى « 7 » :
لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
.
هامش
( 1 ) بالمخطوط : « على جسد » تحريف . والبيت في ( ديوان جرير ص 820 ) من قصيدة يهجو بها الراعي النّميري . والفقاح : ج فقحة ، وهي حلقة الدّبر .
( 2 ) ( ديوان أبي نواس ص 401 ) . والنّطف : ج نطفة ، وهي ماء الرجل .
( 3 ) البيت في ( ديوان المتنبي 1 / 315 ) ضمن قصيدة ، من شعر الصّبا ، وقيل في الدفاع عن الشاعر أنّ التوحيد :
نوع من التمر . وانظر ما ورد حول هذا البيت شروح الديوان ، وما يليه في ( يتيمة الدهر 1 / 185 ) .
( 4 ) القطعة في ( ديوان المتنبي 2 / 198 ) ضمن قصيدة يمدح بها محمد بن زريق الطّرسوسيّ . وذو القرنين :
الإسكندر ، وقد سبق تعريفه ( ص 479 ) . يقول : إنّ ممدوحه له رأي سديد ، فلو كان الإسكندر استعمله لأضاءت له الظلمات .
( 5 ) عازر : رجل من بني إسرائيل ، أحياه الله تعالى بدعاء عيسى عليه السلام . وأعيا : أعجز .
( 6 ) الّلج : معظم الموج وأعلاه ووسطه .
( 7 ) سورة الأعراف : من الآية 40 وسم الخياط : ثقب الإبرة ( تاج العروس : سمم ، خيط ) .