يكلّفهما من الغارات ، وطلب الثّارات ، فأرادوا قتله ، فقال : أوصيكما أن ترويا عنّي بيت شعر ، قالا : وما هو ؟ فقال :
من مبلغ الحيّين أنّ مهلهلا * للّه درّكما ، ودرّ أبيكما « 1 »
فلمّا وصلا ، أخبرا أهله بأنّه مات ، فقيل لهما : هل وصّى بشيء ؟ قالا : نعم استودعنا بيتا ، وأنشداه ، فقالت ابنته : عليكما العبدين ، فإنّما قال أبي :
من مبلغ الحيّين أنّ مهلهلا * أمسى قتيلا بالفلاة مجدّلا « 2 »
للّه درّكما ، ودرّ أبيكما * لا يبلغ العبدان حتّى يقتلا « 3 »
واستقرّوا العبدين ، فأقّرا .
وقيل : ينبغي أن تكون المحاجاة كالتّعريض والكناية ، وروي أنّ القزّاز « 4 » حاجى بعض أصحابه ، فقال :
أحاجيك : عبّاد كزينب في الورى * ولم تؤت إلّا من صديق وصاحب « 5 »
/ ( 46 ) فأجابه :
سأكتم حتّى ما تحسّ مدامعي * بما انهلّ منها من دموعي السّواكب « 6 »
أراد بقوله : « عبّاد كزينب » « سرّك ذائع » . وأراد الآخر بقوله : « سأكتم » « منك أتيت » .
هامش
( 1 ) البيت في ( العمدة 1 / 524 ) ، وهو في ( سمط اللآلي ص 27 ) . برواية « من مبلغ الأحياء . . . للّه درّكمو ودرّ أبيكمو » .
( 2 ) البيتان في ( العمدة 1 / 524 ) ، وهما في ( سمط اللآلي ص 27 ) . برواية « من مبلغ الأحياء . . . أمسى صريعا في الضّريح » . وجدّ له ، فهو مجدّل : رماه بالأرض ، فارتمى .
( 3 ) رواية ( العمدة ) : « لا يبرح العبدان . . . » . و « السّمط » : « لله درّكمو ودرّ أبيكمو » .
( 4 ) هو أبو عبد الله محمد بن جعفر القزّاز التميميّ القيروانيّ : من مشايخ ابن رشيق ، شاعر وناقد ولغوي نحوي .
ت نحو 412 ه ( إنباه الرواة 2 / 84 ، والمحمّدون من الشعراء 185 ، ووفيات الأعيان 4 / 374 ، والأعلام 6 / 299 ) .
( 5 ) البيت في العمدة 1 / 525 ، والمنزع البديع ص 268 ) .
( 6 ) البيت في المصدرين السابقين / الصفحة نفسها ، وروايته في الأول : « من دموع سواكب » .