لئن جحدتك معروفا مننت به * إنّي لفي اللّؤم أحظى منك في الكرم « 1 »
؛ أي : إن فعلت ذلك ، فقد فعلت الغاية في اللؤم ، وزدت على المعتاد ، كما فعلت أنت الغاية في الكرم ، وزدت عليها المعتاد ؛ فإن قيل : فلفظة « أفعل من كذا » ، تؤذن بنقصان حال الثاني عن الأول بخلاف التشبيه الذي يؤذن بنقصان الثاني ، وهذا نقص في حقّ الممدوح . والجواب : أن هذا إنّما قاله على جهة الاستبعاد ، وتقدير ما لا يكون أبدا ، كما قال اللّه تعالى « 2 » :
قُلْ : إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ، فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
وكذلك قوله « 3 » :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
، لمّا أراد المبالغة في نفي وقوعه علّقه بمستحيل . وأمّا قول الآخر :
ربّ ليل أمدّ من نفس العا * شق طولا ، قطعته بانتحاب « 4 »
فإنّما أراد أنّه : لا شيء أطول من نفس العاشق إلّا ليله ، فدلّ ما قصده من المبالغة في وصف اللّيل بالطّول على المبالغة في طول المفضول .
فصل [ : أحسن التشبيه ]
وأحسن التشبيه ما قارب الحقيقة ، وكان أبلغ منها ، ولهذا قال قدامة « 5 » : أحسن التشبيه ما جمع بين شيئين من نوعين يشتركان في أكثر الصفات ، كقول امرئ القيس :
هامش
( 1 ) البيت في كتاب ( الورقة ص 20 ، والعمدة 1 / 502 ، وفي الأغاني 10 / 125 ) قطعة من القصيدة ليس البيت معها ، ويعتذر إبراهيم بن المهدي للمأمون بعد القبض عليه حين خرج عليه .
( 2 ) سورة الزّخرف : الآية 81 .
( 3 ) سورة الأعراف : من الآية 40 . وسمّ الخياط : ثقب الإبرة ( القاموس : سمم ، خيط ) .
( 4 ) البيت لمحمد بن عبد الملك الزيات ، وهو في ( ديوانه ص 3 ) وبعده :ونعيم ألذّ من وصل معشو * ق ، تبدّلته ببؤس العتاب .( 5 ) في ( نقد الشعر ص 122 ) : « فأحسن التشبيه مع وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها ، حتّى يدنى بهما إلى حال الاتّحاد » . وفي نقل الشنتريني اختصار كبير . والعبارات في ( العمدة 1 / 492 ) . باختلاف .