تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
والقبيح خلافه ، وكلّ ما تقع عليه الحاسّة أوضح ممّا لا تقع عليه « 1 » ، والشّاهد أوضح من الغائب ، والأوّل في العقل أوضح من الثّاني ، وما يدركه / المرء من نفسه أوضح ممّا يدركه ( 38 ) من غيره ، والقريب أوضح من البعيد ، وعاب قول الشاعر :
صدغه ضدّ خدّه ، مثل ما الوع * د ، إذا ما اعتبرت ضدّ الوعيد « 2 »
؛ لأنّه شبّه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه . ولعمري ، لقد تحكّم فيما ألزم ، وجار فيما به حكم ، بل قد أخرج الأغمض إلى الأوضح ؛ لأن ما ذكره من تضاد الصّدغ والخدّ ، لم يبين من أيّ وجه كان ، فاحتاج إلى إيضاح وبيان ، وليس كذلك الوعد والوعيد ؛ لأنّ تضادّهما واضح مفهوم ، وهو بأوائل العقول معلوم وإنّما كان يلزم بما ذكر ، لو صبر فقال : سواد صدغه ، ضدّ بياض خدّه ، وكذلك قول الآخر :
وله غرّة كلون وصال * فوقها طرّة كلون الصّدود « 3 »
قد عابه ، وهو غير معيب ؛ لأنّ الغرّة والطّرّة ، قد يراد بكلّ واحد منهما غير اللّون واللّون ، فاحتاجا إلى بيان ، فبيّنهما بذكر اللّون المشبّه به ، فقد أخرج الأغمض إلى الأوضح ، ولو قلنا : إنّه يسبق إلى نفس المخاطب ، إنّه يريد اللون ، بل لو صرّح بذكره ؛ لأفاد التشبيه مبالغة فيه ؛ لأنّه أضاف البياض إلى ما لا يختلف في حسنه ، وهو الوصال ، وأضاف السواد إلى ما لا يختلف في قبحه ، وهو الصّدود ، فأفاد ذلك مبالغة في وصفهما بالبياض والسواد ؛ لأنّ كلّ محبوب ، لو قدّر له لون لكان أحسن الألوان ، وهو
هامش
( 1 ) للرماني في رسالة ( النكت ص 75 ) كلام قريب من هذا ، وهو قوله : « التشبيه على وجهين : تشبيه بلاغة ، وتشبيه حقيقة ، فتشبيه البلاغة كتشبيه أعمال الكفار بالسّراب ، وتشبيه الحقيقة نحو : هذا الدينار كهذا الدينار ، فخذ أيّهما شئت ، ونحن نذكر بعض ما جاء في القرآن من التشبيه ، وننبّه على ما فيه من البيان بحسب الإمكان . فمن ذلك قوله :وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ . . .، فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه » . مع الانتباه إلى أن المؤلف قد لخّص كلامه عن الرماني عن ( العمدة 1 / 489 ) . ( 2 ) البيت في ( العمدة 1 / 490 ، وكفاية الطالب ص / 170 ) ، وفي الأخير برواية : « ضدّ الوعيد » . ( 3 ) البيت وسابقة معا في ( العمدة 1 / 489 ، 490 ، وكفاية الطالب ص 170 ) . بباب التشبيه . ورواية كفاية الطالب : « تحتها طرة كلون الصدود » . والغرّة : بياض في جبهة الفرس ، وهنا بمعنى الوجه أو الطلعة . والطرة : علم الثوب أو طرفه ، وهي هنا بمعنى الشعر الأسود المتدلّي على الجبين .