كبر الضّرع كثرة اللّبن ، لا كبر الكير ، وإذا كان الأمر كذلك ، فهو على ما قاله قدامة ؛ لأنّه شبّه صوتا بصوت شيء آخر ، وهو الذي ذكرناه من عكس التشبيه يحتاج إلى قرينة تنفيه ، وإلّا كان نقص الأوّل [ دالا ] على تفضيل الثاني « 1 » . ألا ترى أنّك لو قلت : هذا مسك كالسّكّ « 2 » أو كالتراب ؛ لاقتضى ذمّ المسك ، لا تفضيل السّكّ والتّراب ، ولو قلت : هذا سكّ كالمسك ، لاقتضى تفضيل المسك ، ومدح السّك المشبّه بالمسك .
[ رأي لابن رشيق ورد المؤلف عليه ]
فأمّا قول أبي الطّيّب :
بليت بلى الأطلال ، إن لم أقف بها * وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه « 3 »
فقد قال ابن رشيق « 4 » : اعتذر الجرجاني « 5 » عنه بأنّه أراد وقوفا خارجا عن المعتاد ، كما قال محمد بن عبد الملك الزّيات « 6 » :
ربّ ليل أمدّ من نفس العا * شق [ طولا ، قطعته بانتحاب ] « 7 »
ثمّ قال : « 8 » « وهذا النقد العجيب الذي غفل الناس عنه ، بل عموا ، وصمّوا » قال الشيخ - أيّده اللّه - : بل - واللّه - قائل هذا عمي عن المراد ، وخالف فيما شهد به الصواب والسّداد ، وأعجب من هذا أنّه جعله محتاجا إلى الاعتذار ، مع أنّه قد أحسن فيه ، وأبدع في التشبيه ، وذلك أنّه شبّه وقوفه بوقوف شحيح ضاع خاتمه في الهيئة ، لا في
هامش
( 1 ) نص المخطوط : « وإلّا كان على نقيض الأول على تفضيل الثاني » . وهو غير صحيح .
( 2 ) السك : السّلح الرّقيق ، أو إلقاء ما في بطن النعام ( القاموس المحيط : سك ) .
( 3 ) البيت في ( ديوان المتنبي 3 / 328 ) .
( 4 ) ( العمدة 1 / 502 ) .
( 5 ) الجرجاني : هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز : قاض من العلماء الأدباء وله شعر حسن ومؤلفات . ت بنيسابور نحو 392 ه ( وفيات الأعيان 3 / 278 - 281 ، والأعلام 5 / 114 ) . وكلامه في ( الوساطة ص 471 ) .
( 6 ) أبو جعفر محمد بن عبد الملك الزّيّات ، وزر للمعتصم والواثق ، وكان من الكتاب والشعراء المعروفين في عصره . ت ببغداد نحو 233 ه 847 م ( الأغاني 22 / 463 ، والمسعودي 2 / 393 ، والأعلام 7 / 126 ) .
( 7 ) زيد ما بين حاصرتين من المحقق . وسبق تخريج البيت ص 399 .
( 8 ) ( العمدة 1 / 503 ) . وعبارة ابن رشيق : « فهذا - والله - النقد . . . » .