وأقبل نحو الماء يستلّ صفوه * كما أغمدت أيدي الصّياقل منصلا « 1 »
فظاهره تشبيه الاستلال بالإغماد ، وهما ضدّان ، غير أنه لما كان المراد بالاستدلال شرب الحمار ، شبّهه بالإغماد ، كأنّه يغمد الماء في جوفه . ويجوز أن يريد : يستلّ ، فيغمد ، فحذف اكتفاء بالسّبب عن المسبّب ، كما قال تعالى « 2 » :
أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، تَخْرُجْ
؛ أي : فأخرجها تخرج ، وإنما خص الصياقل ؛ لأنها لا تغمده إلّا بعد صقله والفراغ منه ، تنبيها على صفو الماء ، وقد كرر هذا المعنى ، فقال :
وأغمدن في الأعناق أسياف لجّة * مصقّلة تفرى بهنّ المفاوز « 3 »
فأما قول الآخر :
أأحبابنا ، لو لقيتم في مقامكم * من الصّبابة ، ما لقّيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبسا * كالبرّ « 4 » من أدمعي ينشقّ بالسّفن
فظاهره أيضا تشبيه الشيء بضدّه ، وإنّما أراد أنّ كلّ واحد منهما يشبه الآخر في مخالفته المعتاد ، وتغيّره عمّا كان عليه إلى ضدّه ، فعاد البحر برّا بالأنفاس ، كما عاد البرّ بحرا بالدّموع . ومثله قول ابن المهديّ يعتذر إلى المأمون : « 5 »
هامش
( 1 ) ( ديوان بن المعتز 2 / 373 ) ، ورواية البيت فيه : « فلمّا وردن الماء ، واستلّ صفوه » . والصياقل : ج صيقل ، وهو الذي يشحذ السيوف . والمنصل : ج مناصل ، وهي السيوف .
( 2 ) سورة النّمل : من الآية 12 . والخطاب لموسى عليه السلام .
( 3 ) البيت في ( ديوان ابن المعتز 3 / 51 ) برواية : « فأغمدن . . . . » . وتفرى المغاوز : تقطع الصحارى .
( 4 ) بالمخطوط : « كالبحر » ، وهو خطأ .
( 5 ) يقصد إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور العباسي ، أخا هارون الرشيد ، تولّى من أخيه إمرة دمشق ، فدعا لنفسه مستغلّا خلاف المأمون والأمين ، ثم استسلم ، فسجنه المأمون ، وعفا عنه . فصيح ، وله شعر ، مات بسرّ من رأى نحو 224 ه ( المسعودي 2 / 347 ، وجمهرة أنساب العرب ص 22 ، والأغاني 20 / 47 ، والأعلام 1 / 55 ) . والمأمون : أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور 170 - 218 ه : سابع الخلفاء العباسيين شهد عصره حركة ترجمة واسعة ( المسعودي 2 / 329 ، وجمهرة أنساب العرب 23 ، والأعلام 4 / 287 ) .