البياض ، وكل مكروه ، لو قدّر له لون ، لكان أقبح الألوان ، وهو السواد . ومثله قول الآخر :
وتدير عينا في صحيفة فضّة * كسواد يأس في بياض رجاء « 1 »
[ ما ذكره ابن رشيق ]
وأمّا ما ذكره ابن رشيق « 2 » من أن معرفة النفس والمعقول ، أعظم من إدراك الحاسّة ؛ فإنّه قول قد خالف فيه العامّة والخاصّة ؛ لأنّ « 3 » ما يدرك بالحواس ضروري ، ولا خلاف في تقديمه على النظري ، ويؤكد لك تحقّقه ، قول موسى عليه السّلام « 4 » :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
، ولا خلاف في قوله عارفا باللّه تعالى ، فلو لم يكن في النظر مزيد علم لما طلبه ، وكذلك قول إبراهيم عليه السلام « 5 »
رَبِّ ، أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
، فلمّا قال له :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ : بَلى ! ! وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
، ولا تحصل الطّمأنينة إلّا بمزيد العلم ، وتأكيد أسبابه . وأمّا قوله تعالى « 6 » :
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
؛ فإنهما وإن تساويا في عدم الإدراك بالنظر - فإن قبح المشبّه به معلوم بأوائل النظر ؛ لأنّ اللّه تعالى ، قد ركّب في النفوس قبح صور الجن ، وإذا كان الأمر كذلك ؛ فقد أخرج الأغمض إلى الأوضح ، ومثله قول امرئ القيس :
أيقتلني ، والمشرقي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال ؟ « 7 »
وأمّا قول ابن المعتزّ يصف شرب حمار : / ( 39 )
هامش
( 1 ) البيت في ( العمدة 1 / 492 ) منسوب لبعض المولّدين .
( 2 ) انظر : ( العمدة 1 / 490 ، 491 ) ، وهذا الكلام الذي نسبه الشنتريني لابن رشيق ليس له ، وإنّما ذكره ابن رشيق في معرض مناقشته لرأي الرماني قائلا : « ولعله يقول ، أو يقول المحتجّ له : معرفة النفس والمعقول . . . » .
فالشنتريني ليس دقيقا في نسبته هذا الكلام لصاحب العمدة ، لا سيما وأنه سيناقشه فيما بعد طويلا .
( 3 ) بالمخطوط : « لا ما يدرك » .
( 4 ) سورة الأعراف : من الآية 143 .
( 5 ) سورة البقرة : من الآية 260 .
( 6 ) الآية 65 من سورة الصّافّات ، وهي في وصف شجرة الزّقّوم .
( 7 ) رواية المخطوط : « بأنياب أغوال » ، وهو غير صحيح . والبيت في ( ديوان امرئ القيس ص 33 ) ، والمشرفي : السيف المنسوب إلى مشرف ، وهي قرية باليمن كانت السيوف تعمل بها . والآية الكريمة السابقة مع بيت امرئ القيس في ( العمدة 1 / 491 ، وكفاية الطالب ص 170 ) مع عبارات الشنتريني هذه في التعليق عليهما .