تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
قال ابن رشيق « 1 » : وربّما جاء المصراع الثاني غير مناسب الأول في النّسيب « 2 » ؛ ليدلّ بذلك على وله وشدة حال ، ولو جاء ذلك في الرّثاء والتفجيع ، وشديد النوازل لجاز . وأنشد في ذلك قول أبي الطّيّب :
جللا كما بي ، فليك التّبريح * أغذاء ذا الرّشأ الأغنّ الشّيح ؟ « 3 »

[ نقد المؤلف لابن رشيق ]

قلت : وهذا عندي غير جائز ؛ لأنه إن عذر بذلك ، فليعذر بسائر ما يفسد الشعر من اختلال المعنى ، وفساد التّركيب ، وهذا ما لا يقوله أحد . والذي عندي أنّ المصراع الثاني مناسب للأوّل غير منقطع منه ؛ وذلك أنّه لمّا أخبر في الأول عن شدّة تبريحه ، نبّه بالثاني على سبب ذلك ، فقال :
أغذاء ذا الرّشإ الأغنّ الشّيح ؟
على جهة الإنكار على من ظنّ ذلك ، والتنبيه على أنّه إنّما يدّعي القلوب دون الشّيح . هذا ، مع أنّه لم ينتقل عما هو فيه ، ولا أتى بما ينافيه ؛ لأنّه متغزّل فيهما ، وإنّما انتقل عن الإخبار عن حبّه إلى التنبيه على بعض أحوال محبوبه ، كما تنتقل العرب من الخطاب إلى الإخبار من غير ترك لما هي فيه ، ولا خروج عنه ، قال النابغة :
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند * أقوت ، وطال عليها سالف الأبد « 4 »
فانتقل من الخطاب إلى الإخبار مع البقاء على وصف الدار ، ومثله قول اللّه تعالى : « 5 »
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ
.
هامش
( 1 ) ( العمدة 1 / 393 ) ، وعبارة ابن رشيق : « ومن الشعراء من يقطع المصراع الثاني من الأول إذا ابتدأ شعرا ، وأكثر ما يقع ذلك في النسيب » . ( 2 ) في المخطوط : « النسب » . ( 3 ) البيت مطلع قصيدة في ( ديوان المتنبي 1 / 243 ) يمدح بها مساور بن محمد الرومي . ( التبيان ) . والجلل : الأمر العظيم ، وهو خبر « كان » مقدم عليها ، والتبريح : الشدّة والأذى ، والرشأ : ولد الظبية . والأغنّ : الذي في صوته غنّة ، وهي صوت من الخيشوم ، وهو من أوصاف الظّباء . والشيخ : نبات طيّب الرائحة . ويقول : « ليكن تبريح الهوى عظيما مثل ما حلّ بي ، أتظنّون من فعل بي هذا الفعل غذاؤه الشيح ، ما غذاؤه إلّا قلوب العشاق » . ( عن الديوان ) . ( 4 ) ( ديوان النابغة ص 2 ) . والعلياء : مكان مرتفع . والسّند : سند الجبل ، وهو ارتفاعه . وأقوت : أقفرت . ( 5 ) سورة يونس من الآية 22 .
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب — صفحة 369 | محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج ) / محمد حسن قزقزان