تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
وقفت وما في الموت شكّ لواقف * كأنّك في جفن الرّدى ، وهو نائم « 1 » تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة * ووجهك وضّاح ، وثغرك باسم « 2 »
بمثل ما اعترض به امرؤ القيس ، فقال : إني لمّا ذكرت الموت ، أتبعته الرّدى ؛ لتجانسهما ؛ ولما كان الجريح لا يخلو من بكاء وعبوس ، نفيتهما عنك ؛ لأجمع بين الأضداد في المعنى . فأعجب سيف الدولة بذلك ، وأمر له بخمسين دينارا من دنانير ضربها للصّلة ، وزن الدينار عشرة دنانير . فقلت : إنّ جواب أبي الطيّب في هذا لعجيب ، ولعلّه أراد أن يصدّق قوله :
أنام ملء جفوني عن شواردها * ويسهر الخلق جرّاها ويختصم « 3 »
وإلّا فالمعنى أظهر من هذا وأبين ، وذلك أنّه لمّا أخبر أنّه وقف في وقت لا يشكّ في الموت ، قال : لأنّك تحقّقت أن الموت نائم عنك ؛ أي فعلت فعل من أيقن أن الموت ، لا يصل إليه ، ولا يعدو عليه ، / فآخر البيت مرتبط بأوّله ، لا ينبغي أن يفصل عنه . وكذلك مرور الأبطال كلمى « 4 » ، هو سبب الخوف والعبوس والبكاء ، فنفى ذلك عنه في ذلك الحال .

[ استرسال الشاعر ]

وربّما استرسل الشاعر المجيد ، فلم يبال بالتعقيد ، ليدلّ على علمه بالتّصرّف ، وقدرته على التعقيد ، والذي يفعل ذلك ضرورة أعذر منه . وأكثر شعر أبي الطيّب من هذا القبيل كما قال في البيت المتقدّم :
أنام ملء جفوني عن شواردها
هامش
( 1 ) البيتان في ( ديوان أبي الطيب : التبيان 3 / 386 ) من قصيدة يمدح بها سيف الدولة . ( 2 ) وكلمى : جرحى ، وهو جمع كليم . وهزيمة : مهزومة . ( 3 ) البيت في ( ديوان أبي الطيب : التبيان 3 / 367 ) . والشوارد : النّوافر ، من قولهم : شرد البعير : إذا نفر ، ويقال : فعلت ذلك من جرّاك ؛ أي : من أجلك . ووحّد الضمير في يختصم على لفظ الخلق لا معناه . يقول : « أنام ساكن القلب ، لا أعجب بشوارد ما أبدع ، ولا أحفل بنوادر ما أنظم ، ويسهر الخلق في تحفظ ذلك وتعلمه ، ويختصمون في تعرّفه وتفهّمه ، فاستقلّ منه ما يستكثرون ، وأغفل عما يغتنمون » ( عن الديوان ) . ( 4 ) بالمخطوط : « كالمى » .