الباب السّادس : في جمل يستعان بها على عمل الشعر
[ وصية أبو تمّام للبحتري ]
قال أبو تمّام للبحتري : « 1 » : يا أبا عبادة ، تخيّر الأوقات ، وأنت قليل الهموم ، واعلم أنّ أولى الأوقات بعمله وقت السّحر ؛ لأن النفس ، قد أخذت حظّها من الرّاحة ، وقسطها « 2 » من النّوم . فإن أردت النّسيب ، فاجعل اللّفظ رقيقا ، وأكثر فيه من ذكر الصّبابة « 3 » ، وقلق الأشواق . وإن أخذت في مدح ، فأشهر مناقب الممدوح ، وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الزّريّة « 4 » ، وكن كأنّك خياط ، تقطع الثيّاب « 5 » على مقادير الأجسام ، وإذا عارضك الضّجر ، فارج لقول الشعر الذّريعة إلى حسن نظمه ، فإنّ الشّهوة نعم المعين . وجملة الحال ، أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين ، فما استحسنه العلماء فاقصده ، وما تركوه فاجتنبه ، ترشد إن شاء اللّه تعالى .
[ شعر النّاشىء ]
قال النّاشىء « 6 » :
إنّما الشّعر ما تناسب في النّظ * م ، وإن كان في الصّفات فنونا « 7 »
فأتى بعضه يشاكل بعضا * قد أقامت له الصّدور المتونا
هامش
( 1 ) وصية أبي تمام للبحتري في ( زهر الآداب 1 / 152 ، والعمدة 2 / 749 - 750 ) .
( 2 ) في المخطوط : « وبسطها » .
( 3 ) في ( العمدة ) : « من بيان الصبابة » . والصبابة : الشوق والولع الشديد .
( 4 ) المناقب : الأفعال الكريمة ، والمفاخر ، واحدتها منقبة . والألفاظ الزّريّة : الدنيئة الخالية من المعنى الشريف .
( 5 ) بالعمدة : « يقطع » .
( 6 ) سبق تعريف أبي العباس الناشئ ص 351 حاشية ( 4 ) .
( 7 ) أورد القصيدة ابن رشيق في ( العمدة 2 / 748 ) ، وابن خلدون في ( المقدمة ص 509 ) . ونسبها الأخير لابن رشيق على جهة الظّنّ .