ولكل نوع منها مكان يحسن فيه ، قال أبو عمرو بن العلاء : « 1 » كانت العرب تطيل ليسمع منها ، وكانت توجز ليحفظ عنها ؛ فمن مواضع الإطالة ، الإعذار والإنذار ، والترغيب والترهيب ، والإصلاح بين القبائل ، ومن مواضع الإيجاز المحاضرات والمنازعات ، والتمثيل والملح ، وقيل للجمّاز « 2 » : مالك لا تطيل في الهجاء ؟ فقال : لم أجد المثل السّائر إلّا بيتا : وروي أن محمّد بن [ عبد الملك ] « 3 » الزّيات هجا أحمد بن أبي دؤاد « 4 » بتسعين بيتا ، فأجابه ، فقال :
أحسن من تسعين بيتا سدى * جمعك إيّاهنّ في بيت « 5 »
ما أحوج الملك إلى مطرة * تغسل عنه « 6 » وضر الزّيت
ومنهم من يجيد في الإيجاز والإطالة ، ومنهم من لا يجيد إلّا في أحدهما ،
وابن الروميّ ممّن يجيد فيهما ، وهو القائل :
وإذا امرؤ مدح امرءا لنواله * فأطال فيه ، فقد أراد هجاءه « 7 »
لو لم يقدّر فيه بعد المستقى * عند الورود لما أطال رشاءه « 8 »
هامش
( 1 ) في المخطوط : « أبو عمر بن العلاء » .
( 2 ) سبق تعريف الجمّاز ص 52 رقم 1 .
( 3 ) زيادة ما بين حاصرتين من المحقق اعتمادا على ( العمدة 1 / 348 ) .
( 4 ) أبو جعفر محمد بن عبد الملك الزّيّات ، وزر للمعتصم والواثق ، وكان من الكتاب والشعراء المعروفين في عصره . ت ببغداد نحو 233 ه - 847 م ( الأغاني 22 / 463 ، والمسعودي 2 / 393 ، والأعلام 7 / 126 ) .
وأبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد : قاض ، أديب ، وشاعر عباسي . ت نحو 240 ه ( وفيات الأعيان 1 / 81 ) .
( 5 ) الشعر في ( الأغاني 22 / 477 ) برواية : « أحسن من خمسين » . . .
( 6 ) في المخطوط : « . . . إلى مطمرة تغسل عند » . وفي المرجع السابق برواية : « ما أحوج الناس . . . تغسلهم من » .
( 7 ) البيتان في ( ديوان ابن الرومي 1 / 111 ) ، والأول برواية : « كلّ امرئ » .
( 8 ) المستقى : الموضع الذي يؤخذ منه الماء للرّيّ . والرشاء : الحبل الذي يجعل في الدلو لاستخراج الماء .