« مالك لا تهجو ؟ فقال : إنّ لنا أحسابا تمنعنا من أن نظلم ، وأحلاما تمنعنا من أن نظلم ، وهل رأيتم بانيا لا يحسن أن يهدم ؟ » قال ابن قتيبة « 1 » : « والهجاء أيضا بناء ، وليس كلّ بان لشيء يحسن أن يبني غيره » . ولقد صدق ابن قتيبة ، بل قد يتعذّر عليه الذي يحسنه ، فقد قيل : « الشعر كالبحر أهون ما يكون على الجاهل أهول « 2 » ما يكون على العالم ، وقال :
وقد يقرض الشعر البكيء لسانه * وتعيي القوافي المرء ، وهو لبيب « 3 »
وقال الحطيئة : « 4 »
الشّعر صعب وطويل سلّمه « 5 » * إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه * يريد أن يعربه ، فيعجمه « 6 »
وقال الجاحظ : من صنع شعرا ، أو وضع كتابا ، فقد استهدف ؛ فإن أحسن ، فقد استعطف ، وإن أساء ، فقد استقذف « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر ( الشعراء 1 / 94 ، والعمدة : 1 / ص 231 ، 232 ) . وابن قتيبة : هو عبد الله بن مسلم الكوفي ؛ عالم باللغة والأدب والنحو والغريب والمعاني والشعر والفقه ، غزير التآليف ، ت نحو 276 ه 889 م ( طبقات النحويين واللغويين 183 ، والأعلام 4 / 280 ) .
( 2 ) بالمخطوط : « أهون » ، وهو تحريف ، والقول في ( العمدة : 1 / 140 ) .
( 3 ) البيت في ( البيان والتبيين 1 / 209 ) غير منسوب ، وهو في ( العمدة 1 / 240 ) من إنشاد أبي العباس المفضل الضّبي الرواية الثقة ، واللغوي الكوفي المشهور صاحب المفضليات ، ت سنة 178 ه على الأرجح ( طبقات النحويين واللغويين 193 ، ومقدمة المفضليات 24 - 26 ) . والبكيء لسانه من الرجال : القليل الكلام خلقة ، أو القليل الكلام إلا فيما يحتاج إليه ، واللبيب : العاقل ( تاج العروس ، واللسان : بكأليب ) .
( 4 ) أبو مليكة جرول بن أوس ، ويلقب بالحطيئة لقصره ، شاعر من فحول المخضرمين ، فصيح الشعر هجّاء .
ت نحو 59 ه ( الشعر والشعراء 1 / 322 ) .
( 5 ) الرجز في ( ديوان الحطيئة ص 239 ) ، والأول برواية : « الشعر » ، مع اختلاف في ترتيب الأبيات ، وهو في ( ديوان رؤبة مجموع أشعار العرب ص 186 ) في قسم الأبيات المفردات المنسوبة له ، والثلاثة الأخيرة منها في ( المقتضب للمبرد 2 / 33 ) ، وذكر أن البيت الأخير شاهد على رفع الفعل « فيعجمه » على إرادة القطع ، ولا يجوز نصبه لفساد المعنى ؛ لأنه لا يريد إعجامه .
( 6 ) بالمخطوط : فتعجمه تصحيف .
( 7 ) استقذف الرجل : رماه بريبة .