بلاغة القرآن أعلى طبقات الإحسان ؛ المقدور من أنواع البلاغة والصنعة والفصاحة
في فضلة هذا الشّان إلّا تحقيق المعرفة بإعجاز القرآن ، لكان عليه كافيا ، لا سيّما ، ( 2 ) وهو مادة الحكمة ، وقوامها ، وبه تمامها ونظامها ؛ لأن الحكمة عبارة عن ألفاظ محكمة التركيب ، دالة على معنى مصيب ، تلتزم العقول موجب أحكامها ، ويرتدع الجهول لحكمة لجامها ، وهذا من صفاتها « 1 » نثرا كانت أو نظما ، قال النبي عليه السلام « 2 » :
« إنّ من البيان لسحرا ، وإنّ من الشّعر لحكما » .
[ 2 - المقدور ]
وأمّا الضرب الثاني ، وهو المقدور ، فعلى ضربين ، مطبوع ومصنوع « 3 » ، أمّا المطبوع ، فهو الأصل الموضوع الذي عليه المدار ، وبه الاقتدار ؛ لأنّ العرب ، لم تكن تنظر في أعطاف كلامها ، ولا تلتزم البديع في نثرها ونظامها ، بل كانت تعتمد في بلاغتها على طبعها وفصاحتها ، وربما بدر « 4 » منها المصنوع سليما من التكلف ، يغني عن التعسّف « 5 » ، فيحسن في النفوس موقعه ، ويشرف به مكانه وموضعه ؛ لأنه يأتي في أضعاف القصائد بمنزلة الفرائد في أثناء القلائد « 6 » .
[ الصنعة والفصاحة وقصيدة للمؤلف ]
فأمّا الصنعة من المحدثين كأبي تمّام والبحتريّ وغيرهما من أعيان المتأخرين ؛ فإنّهم لما آثروا المصنوع ، جاذبوه فهرب ، وغالبوه فاستصعب « 7 » ، فأكرهوه حتى ذلّ ، وأكثروا منه فملّ ، ولو اقتصروا منه على ما سمح به الطبع ، لعذب مذاقه ، وطاب عرفه « 8 » ، وحسن إشرافه ، وأعجز وصفه .
هامش
( 1 ) في المخطوط : من صفات . وحكمة اللجام : حديدته التي في فم الفرس .
( 2 ) أخرجه البخاري ، وأبو داود ، وابن ماجة ، والتّرمذيّ . ( عن سنن الترمذي 8 / 63 ) أبواب الأدب ، رقم 2848 ، وهو حديث حسن صحيح . والحكم : القضاء بالعدل ، والفقه ، والعلم . وانظر : ( مفتاح كنوز السنة 3 / 140 ) .
( 3 ) أفرد ابن رشيق في ( العمدة الباب 20 / 1 / 258 ) في المطبوع والمصنوع .
( 4 ) في المخطوط : ندر . والأعطاف : ج عطف ، وهو الجانب ( تاج العروس : عطف ) .
( 5 ) العبارة في المخطوط غير واضحة ، ومكتوبة هكذا ( يغني أن التهسف ) . والتعسف : الأخذ على غير الطريق ، والسير على غير هدى ( تاج العروس : عسف ) .
( 6 ) الفرائد : ج فريدة ، وهي الجوهرة النفيسة ، أو الدّرّ إذا نظم ، وفصل بغيره . والقلائد : ج قلادة ، وهي ما يجعل في العنق من حلي ونحوه . ( تاج العروس : فرد ، قلد ) .
( 7 ) استصعب : صعب ( تاج العروس : صعب ) .
( 8 ) العرف : الرائحة مطلقا ، وأكثر ما يستعمل في الطّيّبة منها ( تاج العروس : عرف ) .