السّور القصار ، فقال تعالى : « 1 »
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
؛ فأفحموا عن الجواب « 2 » ، وتقطّعت بهم الأسباب « 3 » ، وعدلوا إلى الحروب والعناد ، وآثروا سبي الحريم والأولاد ، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا ، وأبلغ في الحجة ، وأشد تأثيرا . هذا مع كونهم أرباب البلاغة ، واللّحن ، وعنهم تؤخذ الفصاحة واللّسن « 4 » ، هذا مع كونهم أرباب البلاغة ، فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان ، وأرفع درجات الإيجاز والبيان ؛ بل تجاوزت حدّ الإحسان والإجادة إلى حيّز الإرباء والزيادة .
هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - مع ما أوتي من جوامع الكلم ، واختصّ به من غرائب الحكم - إذا تأمّلت قوله في صفة الجنان - وإن كان في نهاية الإحسان - وجدته منحطّا عن رتبة القرآن ، وذلك قوله عليه السلام : « 5 » « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » ؛ فأين ذلك من قوله تعالى « 6 »
فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
؟ ؟
هذا أعدل وزنا ، وأحسن تركيبا ، وأعذب لفظا ، وأقلّ حروفا ، وأبعد عن الاحتمال لذكر الشهوة واللّذّة مع ما فيهما من التشويق إلى الجنة .
على أنه لا يعتبر الإعجاز إلّا في مقدار أقصر سورة أو أطول آية ؛ لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرّف ، وضاق المقال على القاصر المتكلّف ، فلو لم يكن
هامش
( 1 ) سورة البقرة / من الآية 23 .
( 2 ) أفحم الخصم : أسكته بالحجة ( تاج العروس : فحم ) .
( 3 ) الأسباب : ج سبب ، وهو الحبل ، وكل شيء يتوصّل به إلى غيره ( تاج العروس : سبب ) .
( 4 ) لحن لحجّته ، لحنا ، فطن ، وانتبه لها واللّحن : اللّغة . ولسن لسنا : فصح وبلغ ( تاج العروس : لحن لسن ) .
( 5 ) ورد هذا الحديث في صحيح البخاري / كتاب بدء الخلق 8 ، والتوحيد 35 ، وصحيح مسلم / كتاب الايمان 312 ، والجنة 25 ، وسنن التّرمذيّ / تفسير السورة 23 ، وسنن ابن ماجة / باب الزهد 39 ، وسنن الدّارمي 98 ، 105 ، ومسند أحمد بن حنبل 25 ، 313 ، 334 ، - 370 ، 407 ، 416 ، 438 ، 462 ، 495 ، 506 ( المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 1 / 47 اذن ، 4 / 451 عين ) .
( 6 ) في المخطوط : تشتهي . والآية 71 من سورة الزخرف .