فقد قيل : « البليغ يحوك الكلام على حسب المعاني ، ويخيط الألفاظ على قدر المعاني « 1 » » .
وأصل البلاغة ؛ هو تركيب المعاني القائمة في النفّس ، فإذا كملت تركيبا ونظاما ، صارت في النفس كلاما ، فإذا احتيج إلى التعبير ، والدّلالة على ما في الضّمير ، ركّبت عليها ألفاظ منظومة نظم العقود ، وألبست منها حللا مرقومة رقم البرود ، فانتقلت بها من الجنان « 2 » إلى اللّسان ، فحصل الإفهام عند استماع الكلام « 3 » ، فإذا أريد تقييده وإيصاله إلى من بعد ، وغاب ، نقل ذلك إلى الخطّ والكتاب « 4 » ، فالمعاني أرواح ، والألفاظ لها أشباح والكتابة والرّقم بمنزلة الكسوة على الجسم ، فكلّ واحد منهما يحسن لحسنه الآخر ، وهي أيضا بمنزلة البستان : شجره الخطّ ، وثمره اللّفظ ، ورائحته وطعمه المعنى ، وليس الخطّ من البلاغة ، ولكنّه من توابعها ؛ لأنه يحتاج إليه في إيصالها « 5 » إلى من بعد كما يوصلها اللّفظ إلى من قرب ؛ لأن المقصود بالكلام إنما هو الإفهام ، وليس قبح الخطّ بقادح فيها إذا كان مؤدّيا لمعانيها ، لكنه قد يتعب القارئ كما يتعب شوك الورد الجاني ، وقد قيل : الخط الحسن ، يزيد الحقّ وضوحا .
فصل [ : مواد الكلام ودعائمه ]
فصور معاني المعلومات أو المظنونات الخارجة عن الذّهن ، هي مواد الكلام القائم بالنفس ، فيجب على من حاول هذا الفن ، أن يستكثر من المعلومات ؛ لتغزر
هامش
( 1 ) هذا القول لأبي منصور الثعالبي ، وهو في ( العمدة الباب 19 / 1 / 258 ) برواية : « على قدود المعاني » .
وأبو منصور الثعالبي عبد الملك بن إسماعيل من أئمة اللغة والأدب من نيسابورت . نحو 429 ه - 1038 م ( وفيات الأعيان 178 - 180 الأعلام 4 / 311 ) .
( 2 ) الرقم : مصدر رقم الكتاب ، إذا كتبه . والبرود : ج برد ، وهو كساء مخطط . ورقم البرود توشيتها وطرزها ونقشها ( تاج العروس : رقم ، برد ) والجنان هنا : القلب ( تاج العروس : جنن ) .
( 3 ) في المخطوط : « عند الساع » .
( 4 ) الكتاب هنا ، مصدر بمعنى الكتابة .
( 5 ) في المخطوط : في إيصاله . والضمير عائد على البلاغة .