العلوم ، والبلاغة ، والبلغاء ، والشعراء ، وضروب البلاغة ، المعجز
وإذا كان الأمر على ما وصفناه ، فأولى بمن أمدّه اللّه بنور هداه ، أن يصرف الهمّة إلى كل ما يشحذ الفهم ويفتقه « 1 » وتسهل به سبل العلم وطرقه .
وإنّ من أعظم أدوات العلم شأنا ، وأجلها قدرا ومكانا ، وأحقّها بالتّقديم ، وأجمعها لمحاسن العلوم ، النّظر في قوانين البلاغة وأساليبها ، ومعرفة أنواعها وضروبها ، وكيفيّة العمل في ترتيبها وتهذيبها ، والتنبيه على محاسنها وعيوبها ، وذكر نبذ من عيون كلام البلغاء ونتف من فنون معاني الشعراء ، وشيء من سرقاتهم ، وإغاراتهم « 2 » ، وما شاكل ذلك من موافقاتهم . وأنا - إن شاء الله تعالى - أذكر من ذلك ما يحسن ذكره وجمعه ، وتعمّ فائدته ونفعه .
فصل [ البلاغة وضروبها ]
[ 1 - المعجز ]
والبلاغة : هي بلوغ الغرض باللّفظ الفصيح ، والمعنى الصّحيح ، من غير زيادة تملّ ، ولا نقصان يخلّ . وهي ضربان « 3 » : معجز ومقدور « 4 » .
فالمعجز : هو القرآن الذي عجز عنه الثّقلان « 5 » ، وتحدّي به الإنس والجانّ .
قال اللّه تعالى رادّا على من رآه مقدورا ، وتوهّم له نظيرا :
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 6 » ، ثم إنّه حطّهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من
هامش
( 1 ) خ : « يعتقه » تحريف .
( 2 ) السرقة والإغارة من مصطلحات النقد العربي القديم ، فالسرقة في الشعر : ما نقل معناه دون لفظه ، وتكون في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر ، والإغارة : أخذ الشعر غلبة لشاعر حي كما فعل الفرزدق بجميل . وللتوسع في التعريف راجع : ( حلية المحاضرة 2 / 39 - 41 والعمدة 2 / 1038 - 1044 ، 1039 ) .
( 3 ) في المخطوط : وهي ضربين .
( 4 ) المقدور : لعلها من قدّر الكلام ، إذ تمهل ، وفكر في تسويته ، وتهيئته وتدبيره ( تاج العروس : قدر ) .
( 5 ) الثقلان : الإنس والجن ( تاج العروس : ثقل ) .
( 6 ) من الآية 88 / سورة الإسراء . والظهير : المعين والنّصير ( تاج العروس : ظهر ) .