تردت به ، وصار لها بالأديم كما انسلخ اللّيل عن بياض النهار . وهذا تشبيه صحيح لا مطعن فيه ، ولا تناقض كما زعم » .
وإذا عدنا إلى رواية ديوان الشاعر نجدها « ثم انفرت عن أديمه » فتجعل التشبيه صحيحا لا مطعن فيه : « انسلاخ الخمرة عن أديم الحباب كانسلاخ الليل عن بياض النهار » وهكذا نكون أمام ثلاث روايات لأبي علي وللشنتريني وللديوان ، وتبقى رواية الديوان صحيحة أصح ما ورد ، وتبقى استنتاجات أبي علي بالحلية ومآخذه على روايته صحيحة أيضا ، وكذلك دفاع أبي بكر عن أبي نواس وتشبيهه الصحيح على ما روي يأتي في مكانه ، وصحيحا لا مطعن فيه وجديدا ؛ لأنه يسوق رواية قريبة من رواية الديوان وأكثر قربا من رواية الحاتمي . وإن دلّ هذا على شيء ؛ فإنه يشير إلى أنّ أبا بكر لم يقبل كلام أبي علي الحاتمي على عواهنه هذه المرة وشك ، فعاد إلى الديوان وراجع الشعر ووثقه في هذه الرواية القريبة من روايته المخالفة لما رواه أبي علي ، فأعطى ما خرج به عن مألوف عادته في التلخيص ، فظهر علمه ، ووقف ندّا أمام نظيره الحاتمي .
ونقع في كتاب أبي علي الحاتمي على هذه القصيدة « 1 » : « وقال ابن طباطبا فأحسن :
عشوت إلى نار . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . فدفدا بعد فدفد
بدت في الدجى . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . سهيل كالطريد المشرد
كأني أرى في البيد . . . . . . . * سبيلين أذكاها لعاش ملّدد
فلم أدر والظلماء يقبض ناظري * . . . . . . . . . حندس الليل اهتدي
كأن لهيب النار . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مطرد
إذا حركتها الريح في الجو . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الممدّد
لها حبك تبدو لعيني . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المورد »
وواضح ما وقع لهذه القصيدة من تشويه وسقط ، واختلاط في عباراتها ، وتحريف في ألفاظها ، ففسد وزنها .
هامش
( 1 ) حلية المحاضرة 2 / 204 .