وما إن ينحدر إلى بيت لبيد ، وينسخ تعليق أبي عليّ عليه بصيغة أخرى تحتفظ بجوهر معانيه وعباراته ، حتى يقفي عليها بقوله الجديد « 1 » : « . . . ولما كانت القرّة مغلوبة ، والمغلوب منقاد للغالب جعل لها زماما ؛ لأنّ الزمام به يكون القود ، وفيه من المبالغة أنه أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة » .
ولا يقدم أبو علي هذا الشرح المستفيض في شواهده بل يشير أحيانا إلى موضع الاستعارة في الآية فقط .
ولا يخلو الكتاب من ومضات وضّاءة تجلو ما جسده أبو بكر من جديد نأى فيه عن أبي عليّ ذلك في الباب الحادي عشر : « في التشبيه « 2 » يقدم في صدره تعريفا للتشبيه : « تنزيل أحد الشيئين منزلة الآخر في بعض صفاته ، أو في جميعها » ، وقد يكون التشبيه بغير أدواته نحو الاستعارة والتمثيل كقوله تعالى « 3 » :
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
وظاهر التشبيه يقتضي مساواة المشبّه والمشبّه به ، فيكون قولك : « زيد الأسد » أبلغ من قولك « زيد كمثل الأسد » ونبّه أبو الطيب على هذين النوعين بقوله :
أمط عنك تشبيهي بما وكأنّه * فما أحد فوقي ، وما أحد مثلي « 4 »
أي : لا تقل : كأنه كذا ، فما أحد فوقي ، فأشبّه به ، ولا تقل : ما هو ، فتثبت لي ماهيّة وجنسا ؛ لأنّ كل ذي جنس ، فله أمثال وأشباه ، ولهذا غلط فرعون في قوله « 5 » :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
؟ ولا أعلم أحدا سبقني إلى هذا التفسير ، وهو ظاهر من قوله :
فما أحد فوقي ولا أحد مثلي .
بيد أننا لو دققنا - لوجدنا أن أبا بكر سبق إلى مقدمة هذا الاستنتاج الذي
هامش
( 1 ) السابق ص 385 .
( 2 ) جواهر الآداب ص 394 .
( 3 ) السابق ص . ن وهي من الآية 6 من سورة الأحزاب .
( 4 ) البيت في ديوانه 3 / 161 من شعر الصبا برواية : « . . . ولا أحد مثلي » والإماطة : الرفع والتنحية .
( 5 ) سورة الشعراء ، من الآية 23 .