عاصم ، يا عاصم ، لو اعتصم « 1 »
قال : يا أبة ، أنا شاعر ابن شاعر ، وأنت شاعر ابن مفحم ، فغلبه . فأنت ترى كيف سمّاه « عطفا » ، ولم يسمّه تجانسا : اللهم إلا أن يذهب بالعطف إلى معنى الالتفات ، فنعم .
وبتقدمنا إلى الباب الحادي والثلاثين : « في الغلو » « 2 » نجد أن أبا بكر الذي عهدنا منه بعض المواقف في الانتصار للمتنبي يقف عند بيته :
يترشّفن من فمي رشفات * هنّ فيه أحلى من التّوحيد « 3 »
ويعلّق عليه قائلا « 4 » : « فقد أفرط فيه غاية الإفراط ، هذا إذا تؤوّل على أنّ التوحيد عنده غاية المثل في الحلاوة ، وإن حمل على خلاف ذلك لم يكن غلوا ، لكن يكون كفرا » .
ولا يمكن للشنتريني هاهنا أن يرمي الشاعر بكل هذه البساطة بالكفر ؛ لأنّ تعريف الكفر لغة واصطلاحا معروف ، ولا ينطبق على المتنبي في هذا البيت ، ولم يأت به ، وقد عبّر ابن رشيق عنه بما يفيد أنّه لو استغنى عنه ، فقال « 5 » : « فإذا صرت إلى أبي الطيب صرت إلى أكثر الناس غلوّا ، وأبعدهم فيه همة ، حتى لو قدر ما أخلى منه بيتا واحدا ، وحتى تبلغ به الحال إلى ما هو عنه غني ، وله في غيره مندوحة كقوله :
يترشّفن . . . ( البيت ) » .
وبتمعننا بالباب الثامن عشر : « في المطابقة » راجعين نلحظ أنّ أبا بكر كان يمرّ
هامش
( 1 ) ديوان العجاج ص 286 .
( 2 ) جواهر الآداب ص 501 - 509 .
( 3 ) ديوان المتنبي 2 / 47 وقيل في الدفاع عن الشاعر أن التوحيد : نوع من التمر . وهذا الشعر ممّا قاله المتنبي في صباه . وانظر كلاما عن هذا البيت وما يليه في اليتيمة للثعالبي 1 / 185 .
( 4 ) جواهر الآداب ص 504 .
( 5 ) العمدة 1 / 665 .