ويتتبع حركة تلخيصه التي كانت تتعقد أحيانا ، وتتّسم بقفزات طويلة من أول باب إلى الحادي عشر مثلا ، ثم يتقدم إلى الثاني عشر ، ويعود فينكص إلى الباب الثاني ، وهكذا يتفكّه بجملة من هنا ، وجملتين من هناك ، وبيتا آخر من موضع ، وفكرة أخرى من موضع أبعد ، وما رصده ابن رشيق لتعلّم الشعر يستثمره أبو بكر في تعلم فنون البلاغة ، وهلمّ جرا .
والرّجل عالم جليل أهّلته مكانته العلمية الرفيعة للولوج إلى كرسي التدريس في هذه الجامعة المرموقة ( جامع مصر ؛ أي جامع عمرو بن العاص على الأغلب ) الذي بقي على مدى قرون طويلة قبل الأزهر وبعده موئلا لأعداد هائلة من طلاب العلم ، وموطنا مشجعا للعلماء العاملين المرموقين .
ونجد لأبي بكر حسنات بلا شك في عمله هذا ، ففي الوقت الذي يذكر فيه المبرد « 1 » خطبة ينسبها لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فينقلها ابن رشيق « 2 » على عواهنها بنسبتها السابقة ، وكان الأولى أن يصحّح نسبتها ، ويردّها لأبي بكر رضي اللّه عنه كما فعل أبو بكر الشنتريني « 3 » ، ولا سيّما قد جاء ما يعضد ذلك في الكامل نفسه حينما ذكر أبو الحسن الأخفش : « قد روينا هذه الخطبة التي عزاها إلى عمر بن الخطاب عن أبي بكر رضي اللّه عنهما ، وهو الصحيح » ، وله نسبت في السيرة وفي ابن قتيبة « 4 » ، وهذا يدل على قوة الحس النقدي لدى أبي بكر في بعض الأحيان .
لقد كان ينقل نصّ ابن رشيق بأسلوب أبي عليّ نفسه دون تغيير في أغلب الأحايين بعد أن ينزع عنه كثيرا من مقدمات الخبر أو أسماء الرواة ورجال السند ، واسم الشاعر . أو كان يأتي فقرة ابن رشيق فيفهمها ، ثم يعيد صياغتها بأسلوبه هو الجديد
هامش
( 1 ) الكامل 1 / 13 .
( 2 ) العمدة 1 / 439 .
( 3 ) جواهر الآداب ص 535 .
( 4 ) السيرة 4 / 311 ، وعيون الأخبار 2 / 234 .