ولهم يجمعون ، لما جمع الخصيان الأموال ، ولما كنز الرّهبان الكنوز ، ولاستراح العاقر من ذلّ الرغبة ، ولسلم العقيم من كدّ الحرص ، وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتلّ به ، والذي من أجله كان يجمع ، على حاله « 1 » في الطّلب والحرص ، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع ، والعامّة لم تقصّر في الطلب والحكرة « 2 » ، والبخلاء لم يحدّوا شيئا من جهدهم « 3 » ، ولا عفّوا بعد قدرتهم « 4 » ، ولا قصّروا في شئ من الحرص والحصر « 5 » ، لأنهم في دار قلعة « 6 » ، وتعرّض نقلة « 7 » ، حتى لو كانوا بالخلود موقنين لأغفلوا تلك الفضول ، فالبخيل مجتهد ، والعامّىّ غير مقصر ، فمن لم يستعن على ما وصفنا « 8 » بطبيعة قوية ، وبشهوة شديدة ، وبنظر شاف ، كان إما عامّيّا ، وإما بخيلا شقيّا ، ففيم اعتلالهم بأولادهم ، واحتجاجهم بخوف التلوّن من أزمنتهم ؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لوافد كذب عنده كذبة - وكان جوادا - : « لولا خصلة « 9 » ومقك اللّه عليها ، لشرّدت بك من وافد قوم » وقيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : هل لك في بيض النساء وأدم الإبل « 10 » ؟ قال :
ومن هم ؟ قال : بنو مدلج ، قال : « يمنعني من ذاك قراهم الضيف ، وصلتهم الرّحم » وقال لهم أيضا : « إذا نحروا ثجّوا « 11 » ، وإذا لبّوا عجّوا « 12 » » وقال للأنصار : من
هامش
( 1 ) متعلق الجار والمجرور مفعول ثان لنجد .
( 2 ) اسم من الاحتكار .
( 3 ) في النسخ « لم يجدوا » والصواب « لم يحدوا » أي لم يحبسوا جهودهم في جمع الأموال .
( 4 ) في النسخ « ولا عفوا » بالنصب ، والصواب « ولا عفوا » أي عن الكد ، والكدح بعد قدرتهم على العيش بما تجمع لديهم من مال .
( 5 ) الحصر : البخل .
( 6 ) يقال : الدنيا دار قلعة ، أي انقلاع وارتحال .
( 7 ) أي إن الدنيا دار يتعرض فيها المرء للانتقال .
( 8 ) وهو تمكن البخل والجشع في النفوس .
( 9 ) ومققه : أحبه .
( 10 ) الأدم جمع آدم وأدماء ، والأدمة في الإبل بالضم : لون مشرب سوادا أو بياضا أو هو البياض الواضح . والتقدير : هل لك في قوم بيض النساء . . .
( 11 ) ثجوا : أسالوا دماء الذبائح في الحج .
( 12 ) التلبية في الحج : قول لبيك اللهم لبيك ، وعج يعج بالكسر والفتح : صاح ورفع صوته .
( 6 - جمهرة رسائل العرب - رابع )