كما نجد البخيل يفرّ من اسم البخل إلى الاقتصاد ، ونجد الشجاع يفرّ من اسم المهزم ، والمستحى يفرّ من اسم الخجل ، ولو قيل لخطيب ثابت الجنان « وقاح « 1 » » لجزع فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة « 2 » إلا الجواد ، لقد كان في ذلك ما يبين قدره ، ويظهر فضله ، المال فاتن ، والنفس راغبة ، والأموال ممنوعة ، وهي « 3 » على ما منعت حريصة ، وللنفوس في المكائرة علّة معروفة ، لأن من لا فكرة له ولا روية ، موكّل « 4 » بتعظيم ذي الثروة ، وإن لم تكن منه منالة « 5 » ، وقد قال الأول :
وزادها كلفا بالحبّ أن منعت * وحبّ شئ إلى الإنسان ما منعا
وفي بعض كتب الفرس : كلّ عزيز تحت القدرة فهو ذليل .
وقالت معاذة العدوية : كل مقدور عليه فمقلىّ « 6 » أو محقور ، ولو كانوا لأولادهم يجمعون ، ولهم يكدّون ، ومن أجلهم يحرصون ، لجعلوا لهم كثيرا مما يطلبون ، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون ، وهذا بعض ما بغّض بعض المورّثين إلى الوارثين ، وزهّد الأخلاف « 7 » في طول عمر الأسلاف ، ولو كانوا لأولادهم يمهّدون ،
هامش
- في طبع البلاد وفي جواهر الماء ، فمن ثم عم جميع حبوانهم ، فحدثت بهذا الحديث أحمد ابن رشيد فقال :
كنت عند شيخ من أهل مرو ، وصبي له صغير يلعب بين يديه ، فقلت له - إما عابئا وإما ممتحنا - : أطعمني من خبزكم ، قال : لا تريده ، هو مر ، فقلت : فاسقنى من مائكم ، قال : لا تريده ، هو مالح ، قلت : هات من كذا وكذا ، قال : لا تريده هو كذا وكذا ، إلى أن عددت أصنافا كثيرة ، كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إلى ، فضحك أبوه ، وقال : ما ذنبنا ، هذا من علمه ما تسمع ؟ يعنى أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم . . . » .
( 1 ) الرجل الصلب الذي قل حياؤه .
( 2 ) أي الزيادة في الفضيلة وتجاوز الحد فيها .
( 3 ) أي النفس .
( 4 ) أي جاعل تعظيم ذي الثروة من شغله كأنه مولع به مفتون .
( 5 ) النال والمنالة والمنال مصدر نلت أنال ، ويقال : نلت له بشئ أي جدت .
( 6 ) قلاه يقليه قلى وقلاء ، ويقلاه لغة طيء : أبغضه غاية البغض ، قال ابن السكيت ولا يكون في البغض إلا قليت ، وفي النسخ « فمقلو » .
( 7 ) أخلاف جمع خلف بالتحريك : وهم أبناء الإنسان الذين يخلفونه بعد موته .