تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ويرجع إلى جودة احتياطه ، وشدة احتراسه ، واعتلال البخيل بالحدثان « 1 » ، وسوء الظن بتقلّب الزمان ، إنما هو كناية عن سوء الظن بخالق الحدثان ، وبالذي يحدث الأزمان وأهل الزمان ، وهل تجرى الأحداث إلا على تقدير المحدث لها ؟ وهل تختلف الأزمنة إلّا على تصريف من دبّرها ؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابها فقد « 2 » أيقنّا بأنها تجرى إلى غاياتها ؟ والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر ، وأنّ الجمع والمنع إمّا أن يكون عادة منهم ، أو طبيعة فيهم ، أنّك قد تجد الملك بخيلا ، ومملكته أوسع ، وخرجه أدرّ ، وعدوّه أسكن ، وتجد آخر أكثر منه جودا « 3 » ، وإن كانت مملكته أضيق ، وخرجه أقلّ ، وعدوّه أشدّ حركة ، وقد علمنا أن الزّنج أقصر الناس مرّة « 4 » ورويّة ، وأذهلهم عن معرفة العاقبة « 5 » ، فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم « 6 » ، ونقص عقولهم ، وقلة معرفتهم ، لكان ينبغي لفارس أن تكون أبخل من الرّوم ، وتكون الروم أبخل من الصّقالبة « 7 » ، وكان ينبغي في الرجال - في الجملة - أن يكونوا أبخل من النساء - في الجملة - وكان ينبغي للصّبيان أن يكونوا أسخى من النساء ، وكان ينبغي أن يكون أقلّ البخلاء عقلا أعقل من أشد الأجواد عقلا ، وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكون أعرف بالأمور من الديك المضروب به المثل في الجود « 8 » ، وقالوا هو أسخى من
هامش
( 1 ) أي بالخوف من حوادث الدهر . ( 2 ) الفاء زائدة . ( 3 ) في بعض النسخ « وتجد أحزم منه جوادا » . ( 4 ) المرة : العقل والأصالة والإحكام ، وفي الأصل « مدة » وهو تحريف . ( 5 ) أي وهم مع ذلك أسخياء . ( 6 ) كلال الحد : أصله في السيف والسكين ونحوهما ، والمراد هنا قلة الذكاء . ( 7 ) الصقالبة : جيل تتاخم بلادهم بلاد الخزر ( في الروسيا الآن ) - وبحر الخزر بالتحريك هو بحر قزوين - . ( 8 ) وصف الديك بالجود لأن من عادته أن يدعو الدجاج ويثير لها الحب .