تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
رسم فيه من آثار صنعه ، وأبان فيه من دلائل تدبيره ، إعذارا بحجّته ، وتطوّلا بنعمته ، وهداية إلى حقه ، وإرشادا إلى سبيل طاعته « وهو الّذى يبدأ الخلق ثمّ يعيده وهو أهون عليه ، وله المثل الأعلى في السّموات والأرض وهو العزيز الحكيم » . والحمد للّه العزيز القهّار ، الملك الجبّار ، الذي اصطفى الإسلام واختاره ، وارتضاه وطهّره ، وأعلاه وأظهره ، فجعله حجة أهله على من شاقّهم « 1 » ، ووسيلتهم إلى النصر على من عند « 2 » في حقهم ، وابتغى غير سبيلهم ، وبعث به رسله يدعون إلى حقه ، ويهدون إلى سبيله بالآيات التي يبيّنون بها عن المخلوقين ، ويوجبون بها الحجة على المخالفين ، حتى انتهت كرامة اللّه إلى خاتم أنبيائه ، وحامل كتابه ، ومفتاح رحمته صلى اللّه عليه وسلم على حين فترة من الرّسل ، واختلاف من الملل ، ودثور « 3 » من أعلام الحق ، واستعلاء من الباطل ، والناس عاندون عن سبيل ربهم ، يتسافكون دماءهم ، ويحلّون ما حرّم اللّه عليهم ، ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، وأيّده بالبرهان الواضح ، والحجج القواطع ، والآيات الشواهد ، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، وجعل فيه أوضح الدليل على رسالته ، وأعدل الشواهد على نبوّته ، إذ عجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله على مرّ الأيام ، وكثرة الأعداء والمنازعين ، يتحدّاهم به في المواسم ، ويقصدهم بحجّته في المحافل ، ولا يزدادون عنه إلا حسورا « 4 » وعجزا ، ولا تزداد حجة اللّه عليهم إلا تظاهرا وعلوّا ، ثم أيّده بالنصر بأنصار ألّف بينهم بطاعته ، وجمعهم على حقه ، ولمّ شعثهم بنصرة دينه ، بعد الشّقاق المتصل بينهم ، والحرب المفرّقة لجماعتهم كما قال عز وجل :
« هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ »
وقدّم إليه وعده بالنّصرة والتمكين ، فجعله بشرى للمؤمنين ، وحجة على الكافرين ، ودليلا على ما بعثه
هامش
( 1 ) أي خالفهم وعاداهم . ( 2 ) أي مال . ( 3 ) دثر الأثر كدخل دثورا : درس . ( 4 ) أي كلالا وانقطاعا .