التوقّى الذي أمر اللّه به ، وأين التغرير الذي نهى عنه ؟ ومن طمع في السلامة من غير تسلّم « 1 » ، فقد وضع الطمع في موضع الأمانىّ ، وإنما ينجز اللّه الطمع إذا كان فيما أمر به ، وإنما يحقّق من الأمل ما كان هو المسبّب له ، وفرّ عمر من الطاعون فقال له أبو عبيدة : « أتفرّ من قدر اللّه ؟ » قال : « نعم إلى قدر اللّه » وقيل له : « هل ينفع الحذر من القدر ؟ » فقال « لو كان الحذر لا ينفع لكان الأمر به لغو » فإبلاء العذر « 2 » هو التوكل ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرجل قال في خصومة : حسبي اللّه :
« أبل اللّه عذرا ، فإذا أعجزك أمر فقل : حسبي اللّه » .
وقال الشاعر :
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا * من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلى عذرا أو ليبلغ حاجة * ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال الآخر :
فإن يكن القاضي قضى غير عادل * فبعد أمور لا ألوم لها نفسي
وقال زهير البابىّ « 3 » : « إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف ، وجعلت الخلف ما لا يرجع في كيسى ، ومتى ما لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ ، فإني أشهدكم أنى لم أتوكل قطّ ، إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت بأدب اللّه تتقلب في الخير فتجزى بذلك إما عاجلا وإما آجلا » ثم قال : فلم تجر أبو بكر ؟
ولم تجر عمر ؟ ولم تجر عثمان ؟ ولم تجر الزبير ؟ ولم تجر عبد الرحمن « 4 » ؟ ولم علّم عمر الناس يتجرون ، وكيف يشترون ويبيعون ؟ ، ولم قال عمر : « إذا اشتريت جملا
هامش
( 1 ) المراد بالتسلم هنا : الأخذ بأسباب السلامة والعمل لها .
( 2 ) إبلاء العذر : تقديمه ، وكل من لم يقصر في عمل شئ ولم ينجح فيه فقد أبلى عذرا .
( 3 ) قال ياقوت في معجم البلدان 2 : 13 وينسب إلى باب الأبواب جماعة منهم زهير بن نعيم البابي وفي بعض النسخ « الثاني » وهو تصحيف .
( 4 ) أي عبد الرحمن بن عوف .