وليس مالك المال المعفى من الأضراس فيقال فيه : مرعى ولا أكولة « 1 » ، وعشب ولا بعير ، فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ببطنك وبحوائجك وبما ينوبك ، ولا بقاء للمال على قلة الرّعى وكثرة الحلب ، فكس « 2 » في أمرك ، وتقدّم في حفظ مالك ، فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين ، والأكرمان : الدّين ، والعرض ، وقد قيل : « للرمى يراش السهم « 3 » » و « عند النّطاح تغلب القرناء « 4 » » .
وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا « 5 » قالت : « ليس عليك نسجه فاسحب وخرّق « 6 » » وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الناس كلّهم سواء كأسنان المشط » والمرء كثير بأخيه ، ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه ، فتعرّف شأن أصحابك ومعنىّ « 7 » جلسائك ، فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم ، وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك .
إني لست آمرك إلا بما أمرك به القرآن ، ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول ، ولا أعظك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اعقلها وتوكّل » وقال مطرّف بن الشّخّير : « من نام تحت صدف « 8 » مائل وهو ينوى التوكل ، فليرم بنفسه من طمار « 9 » وهو ينوى التوكّل » فأين
هامش
( 1 ) الأكولة : الشاة التي تعزل للأكل وتسمن ، مثل يضرب للمتمول لا آكل لماله .
( 2 ) أمر من الكيس بالفتح ، وهو العقل والفطنة .
( 3 ) راش السهم يريشه : ألزق عليه الريش ، ورواه الميداني في مجمع الأمثال « قبل الرمي يراش السهم » مثل يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها ، وهو مثل قولهم « قبل الرماء تملأ الكنائن » أي تؤخذ الأهبة للأمر قبل وقوعه .
( 4 ) أي ذات القرن ، ومن أمثالهم « عند النطاح يغلب السكبش الأجم » ويغلب بالبناء للمجهول ، والتيس الأجم : الذي لا قرن له ، يضرب لمن غلبه صاحبه بما أعده له .
( 5 ) الغمر بالفتح والضم وكسبب وكتف . من لم يجرب الأمور :
( 6 ) رواه الميداني « ليس عليك نسجه فاسحب وجر » أي أنك لم تنصب فيه فلذلك تفسده .
( 7 ) معنى : مقصد .
( 8 ) الصدف : كل شئ مرتفع من حائط ونحوه .
( 9 ) طمار : اسم للمكان العالي ، قال الشاعر :« وآخر يهوى من طمار قتيل ». ينشد من طمار بفتح الراء ومن طمار بكسرها منونا وغير منون ، وقيل هو اسم جبل .