تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وقال الآخر :
إن أخاك الصّدق من لم يخدعك * ومن يضير نفسه لينفعك « 1 »
وقد قال عبيد بن الأبرص :
واعلمن علما يقينا أنه * ليس يرجى لك من ليس معك
ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وعين من عقلك على طباعك ، أو ما كان لك أخ نصيح ، ووزير شفيق ، والزوجة الصالحة عون صدق ، والسعيد من وعظ بغيره ، فإن أنت لم ترزق من هذه الخصال « 2 » خصلة واحدة ، فلا بدّ لك من نكبة موجعة ، يبقى أثرها ، ويلوح لك ذكرها ؛ ولذلك قالوا : « خير مالك ما نفعك » ولذلك قالوا : « لم يذهب « 3 » من مالك ما وعظك » . إن المال محروص عليه ، ومطلوب في قعر البحار ، وفي رؤوس الجبال ، وفي دغل الغياض « 4 » ، ومطلوب في الوعورة كما يطلب في السّهولة ، وسواء فيها « 5 » بطون الأودية ، وظهور الطرق ، ومشارق الأرض ومغاربها ، فطلبت بالعز ، وطلبت بالذل ، وطلبت بالوفاء ، وطلبت ، بالغدر ، وطلبت بالنّسك كما طلبت بالفتك ، وطلبت بالصدق كما طلبت بالكذب ، وطلبت بالبذاء ، وطلبت بالملق ، فلم تترك فيها حيلة ولا رقية
هامش
( 1 ) يقال : هذا الرجل الصدق بالفتح ، فإذا أضفت إليه كسرت الصاد ، وقوله لم يخدعك بنصب الفعل بعد لم ، قال صاحب المغنى : « وزعم اللحياني أن بعض العرب ينصب بها كقراءة بعضهم« أَ لَمْ نَشْرَحْ »وقوله :في أي يومى من الموت أفر * أيوم لم يقدر أم يوم قدروخرجا على أن الأصل نشرحن ويقدرن ثم حذفت نون التوكيد الخفيفة وبقيت الفتحة دليلا عليها ، وفي هذا شذوذان : توكيد المنفى بلم ، وحذف النون لغير وقف ولا ساكنين ، ا ه . وربما كان الأصل « من لن يخدعك » ويضير نفسه : يضرها ، والمثل في مجمع الأمثال « إن أخا الهيجاء من يسعى معك ، ومن يضر نفسه لينفعك » يضرب في المساعدة . ( 2 ) أي الخصال التي ذكرت آنفا ، وهي أن يكون له واعظ من نفسه الخ . ( 3 ) ويروى « لم يضع » وهو مثل لأكثم بن صيفي ، قال المبرد : أي إذا ذهب من مالك شئ فحذرك أن يحل بك مثله ، فتأديبه إياك عوض من ذهابه . ( 4 ) الدغل : الشجر الكثير الملتف . والغياض : جمع غيضة بالفتح ، وهي الأجمة ومجتمع الشجر . ( 5 ) فيها : أي في الأموال ، والمراد في طلبها ، فهي مطلوبة في بطون الأودية الخ .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 117 | أحمد زكي صفوت