تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
حتى طلبت بالكفر باللّه ، كما طلبت بالإيمان ، وطلبت بالسّخف كما طلبت بالنّبل ، فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع ، ونصبوا الشّرك « 1 » بكل ربع ، وقد طلبك من لا يقصّر دون الظفر ، وحسدك من لا ينام دون الشّفاء . وقد يهدأ الطالب الطّوائل « 2 » والمطلوب بذات نفسه ، ولا يهدأ الحريص ، يقال : إنه ليس في الأرض بلدة واسطة « 3 » ، ولا بادية شاسعة ، ولا طرف من الأطراف ، إلا وأنت واجد بها المدينىّ والبصرىّ والحيرىّ ، وقد ترى شنف « 4 » الفقراء للأغنياء ، وتسرّع الرغبة إلى الملوك ، وبغض الماشي للراكب ، وعموم الحسد في المتفاوتين ، وإن لم تستعمل الحذر ، وتأخذ بنصيبك من المداراة ، وتتعلّم الحزم ، وتجالس أصحاب الاقتصاد ، وتعرف الدهور ودهرك خاصّة ، وتمثّل لنفسك الغير « 5 » حتى تتوهّم نفسك فقيرا ضائعا ، وحتى تتهم شمالك على يمينك ، وسمعك على بصرك ، ولا يكون أحد أتهم « 6 » عند نفسك من نفسك ، ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك ، اختطفت اختطافا « 7 » ، واستلبت استلابا ، وذوّبوا مالك وتحيّفوه « 8 » ، وألزموه السّلّ ولم يداووه ، وقد قالوا : « بلى المال ربّه وإن كان أحمق » فلا تكوننّ دون ذلك الأحمق ، وقالوا : « لا تعدم صناع ثلّة « 9 » » فلا تكوننّ دون تلك الصناع ، وقد قال الأول في المال المضيّع المسلّط عليه شهوات العيال : « ليس لها راع ، ولكن حلبة « 10 » » .
هامش
( 1 ) الشرك : حبائل الصائد ، واحدته شركة كقصبة ، ويجمع على شرك كعنق نادرا . ( 2 ) الطوائل : جمع طائلة ، وهي الثأر . ( 3 ) أي متوسطة . ( 4 ) شنف له شنفا كفرح : أبغضه وتنكره . ( 5 ) حوادث الدهر المغيرة . ( 6 ) أي أكثر إتهاما ، من أتهمه كأكرمه إذا اتهمه . ( 7 ) في بعض النسخ « واحتفظت احتفاظا » . ( 8 ) أي تنقصوه ، من حيفه . والحيف كعنب جمع حيفة بالكسر : وهي الناحية . ( 9 ) امرأة صناع اليدين : حاذقة ماهرة بعمل اليدين . والثلة : الصوف تغزله المرأة ، مثل يضرب لمن إذا عدم عملا أخذ في آخر لحذقه وبصيرته . ( 10 ) الحلبة : جمع حالب ، مثل يضرب للرجل يؤكل وليس له من يبقى عليه ، وفي النسخ « خلية » .