تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وعلى قومك أشأم من عطر منشم « 1 » ، ومن سلّط الشهوات على نفسه ، وحكّم الهوى في ذات يده ، فبقى حسيرا ، فلا يلومنّ إلا نفسه ، وطوبى لك يوم تقدر على قديم « 2 » تنتفع به ، وقال بعض الشعراء :
أرى كل قوم يمنعون حريمهم * وليس لأصحاب النبيذ حريم أخوهم إذا مادارت الكأس بينهم * وكلّهم رثّ الوصال سئوم فهذا بيانى لم أقل بجهالة * ولكنني بالفاسقين عليم
وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد « 3 » ، فأمّا اليوم فقد استوى الناس ، قال الأضبط بن قريع لمّا انتقل في القبائل فأساءوا جواره بعد أن تأذّى ببنى سعد . « بكل واد بنو سعد » . خذ بقولي ودع قول أبى العاص ، وخذ بقول من قال : « عشّ ولا تغترّ « 4 » » ويقول من قال : « لا تطلب أثرا بعد عين » وبقول من قال : « املأ حبّك « 5 » من أول مطرة ، ودع ما يريبك إلى مالا يريبك ، أخوك من صدقك ، ومن أتاك من جهة عقلك ، ولم يأتك من جهة شهوتك ، وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك « 6 » ، ولم تأمن لائمته إياك في غدك » .
هامش
( 1 ) ويقال : « أشأم من منشم » وكانت منشم امرأة عطارة تبيع الطيب ، فكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه أن يستميتوا في تلك الحرب ، ولا يولوا أو يقتلوا ، فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس : قد دقوا بينهم عطر منشم ، فلما كثر منهم هذا القول سار مثلا ، فمن تمثل به زهير بن أبي سلمى حيث يقول :تدار كتما عبسا وذبيان بعدما * تفانوا ودقوا بينهم عطر منشموقيل : إن منشم كانت امرأة تبيع الحنوط ، وإنما سموا حنوطها عطرا في قولهم : قد دقوا بينهم عطر منشم ، لأنهم أرادوا طيب الموتى . ( 2 ) يراد بالقديم : المال المدخر ، وفي النسخ « على قدم » . ( 3 ) أي أكثر وجودا فيهم . ( 4 ) مثل يضرب في الحث على الحيطة . وأصله أن رجلا أراد أن يفوّز بإبله ليلا ، واتكل على عشب يجده في الطريق ، فقيل له : عش ولا تغتر « وفوّز بإبله : ركب بها المفازة » . ( 5 ) الحب : وعاء كبير للماء . ( 6 ) أي في سبيل سعادتك .