تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
تبعته تواليه ، وشفعته لواحقه ، ووجد العدوّ الملاحظ مكان العورة ، مطمعا في إهمال ما كان يعدّ له من الغرّة ، ويتوفّق به من مناهزة الفرصة . وليكن ما تفيضون فيه وتعدّونه ظهيرا على طاعن إن طعن في دولتكم ، ما ألهم اللّه أمير المؤمنين من شمول رعيّته بالعدل ، وفرش « 1 » الأمر في مضمراتها ومنقلبها ، ورفع به عنهم من سير الجود « 2 » ، وبسط به يده من إثابة أهل البلاء ، وتغمّد « 3 » الجرائم لأولى الزّلل ، والإبلاغ في دعاء من عاند وشاقّ إلى التوبة والإنابة ، وإقالة العثرة بعد القدرة ، والحقن لمباح الدماء ، فلم تعلموه صبر محلّا « 4 » ولا هتك لأحد ممن أظفره اللّه به سترا ، ولا وقفه على عورة . ثم تولّى اللّه أمير المؤمنين في حروبه شرقا وغربا ، التي أغناه اللّه عن الإطناب في وصف صنع اللّه لكم فيها ، لاستفاضة أخبارها في دهمائكم « 5 » ، مع ما أحبّ من مطالعته إياكم ببالغ أدبه ، وشافى عطفه ، أن يتنكب « 6 » عن الإسهاب ، في غير ما صمد « 7 » له ، ورأى من تقريع أسماعكم وأذهانكم ، لوعى ما التمس أن تعوه ، من تبصيركم حظّكم ، وتنبيهكم على رشدكم ، وحسب أمير المؤمنين في نفسه وفيكم اللّه ، وكفى به مبينا . وإن أمير المؤمنين - مع ما تقدّم به إليكم - لعلى ثقة من حياطة اللّه خلافته التي جعلها عزا لدينه ، وقواما لخلقه ، وأنه ليس بها ممن أدبر عن حقها اختلال ، بل من خلع ربقتها وأضاع حظّه منها ، جلب الخلّة « 8 » والحاجة وحسران الدنيا والآخرة ، وإنما أتى المقصّرون في إعظام حقها ، من ضعف الرويّة عن بلوغ ما تفضى بهم إليه مصادر
هامش
( 1 ) فرشه أمرا : اوسعه إياه . ( 2 ) أي من الجود السائر الشامل . ( 3 ) تغمده : ستره . ( 4 ) صبر الإنسان على القتل : أن يحبس ويرمى حتى يموت ، وقد قتله صبرا وصبره عليه ، والمحل الخارج من الميثاق والبيعة انظر شرحه بتوسع في الجزء الأول ص 403 - وفي الأصل « محملا » وهو تحريف . ( 5 ) الدهماء : جماعة الناس . ( 6 ) تنكب عنه : عدل . ( 7 ) صمد كنصر : قصد . ( 8 ) الخلة : الفاقة والحاجة .