وأمير المؤمنين يرى توريث الحكمة والذّمام « 1 » سنّة عليه في أخلاقه التي يرعاها ويحافظ عليها ، كما أنه يرى وراثة التّركة فريضة واجبة ، فيخلف السّلف الصالح عنده في المزيّة والفضل من يتلون به من أهل الغناء « 2 » بأنفسهم ، ثم يتلوهم من اقتدى بهم واهتدى بهديهم ، والسابق المتقدّم من اعتدّ ببلاء نفسه إلى بلاء سلفه ، ثم يتبعه بعد المبلى بنفسه ، ثم يتلوهما المتوسّل بآبائه ، ثم الصاعد به هواه ورأيه ، طبقة فطبقة ، فليقصر كلّ امرئ منكم على المرتبة التي أحلّه بها سعيه ، وليسلك إلى الازدياد فيها بالزيادة من نفسه ، فإن من الفتوق العظيمة على أهل الدول ما ينزغ به الشيطان بينهم ويكثر عندهم ما يكون منه ، فيوافق من الحيف للأنفس ما يجد به مساغا إلى ما يروم من إبقاع الشّحناء بينهم ، وتثبيت الإحن في صدورهم ، بعد التآزر والتناصر . ومتى يجمع المرء لمزيّة من فوقه واغتباط من دونه ، كفى ما ترك ، ولن تخلص نيّاتكم ، وتسلم ضمائركم حتى تمحضوا « 3 » شكر ما أوليه إخوانكم ، وتعتدّوا ما نالهم شاملا لكم ، وتجانبوا طريقة من اقتصر بأمنيّته على خاصّته ، وتعتّب فيما أوثر به أهل الفضل دونه ، وكفى عظة فيما نهاكم اللّه عنه من ذلك ، يقول اللّه عز وجل :
« وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ، وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً »
ولا يلتمسنّ أحد مودّته عن سوء نيّة بحسن مداراة في ظاهر ، فإنّ اللّه مقلّد كلّ امرئ ربقة « 4 » عمله ، ومطوّقه طوق سريرته ، ولا يغدرنّ فيما يلزمه لإمامه ، فإنه إنما يغدر في حظّه ، ويبخس قسمه ، وينحس « 5 » نفسه ، ثم لا يقتصرنّ على استصلاحها حتى يتناول من
هامش
( 1 ) الذمام : الحق والحرمة .
( 2 ) الغناء : الكفاية ، وفي الأصل « فيخلف السلف الصالح عنده من المزية والفضل ما يتلون به أهل الغناء بأنفسهم » وأراه محرفا .
( 3 ) محضه كمنع وأمحضه : أخلصه .
( 4 ) الربق بالكسر : حبل فيه عدة عرى يشد به إلبهم ، كل عروة ربقة .
( 5 ) نحسها ( كمنع ) : عناها وأشقاها .