تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
سواكم ، ممن هو أعسر طاعة عليكم ، وأعذر بمعصيتكم ، حتى تبدءوا باستصلاح أنفسكم ، وأنه لن يرجى لكم القوة على مجاهدة عدوكم ، حتى تقووا على مجاهدة أهوائكم ، فإن على كل امرئ ريبة من أمره ، وغطاء من غيبه ، لا يكشفه إلا صحة المعرفة والإذعان بالنّصفة « 1 » ، فهناك يؤمن عليه الجهل والمعاندة ، وإذا أمنت هاتان الخلّتان انسدّت بإذن اللّه ثلم الآفات ، وفتوق المكاره ، فإنه لا يخاف الضلال على من اهتدى . ولا اعتماد الجور على من انتصف من هوى . وليكن أول ما تتعهّدون به أنفسكم ، وتثابرون عليه من صالح أدبكم ، تناصف الحقّ بينكم ، بتقديم أهل الفضائل والآثار المحمودة منكم ، وتفخيم أمرهم ، فقد علمتم أن منكم المبرّز « 2 » الفائت الذي لا يدرك شأوه ، ولا يوازى بلاؤه ، حين كشف الإبلاء ضمائر القلوب ، وجلا مشتبهات الظّنون ، فصرّح بالمحاربة بعد التقدّم في الحجة ، وفاء بمؤكّد العهد ، وركوبا منه لهائل الخطر ، غير هائب مع صحبة الحق ، ما برق لديه الناكث المخلوع ورعد ، ولا مستوحش فيما تفرّد به إلى من تولّى وأدبر ، حتى أتى الغاية التي أجرى إليها في اللّه عزّ وجل ، ولخليفته ، ثم لرؤسائكم من أهل المشايعة والمكانفة والنّصرة والحظّ الجزيل والأثر المبين ، ثوابهم واجب ، وحقّهم لازم ، ثم منكم من يحفظ لسلفه وأوّله من الآباء الذين يحفظون ولايتهم ، فإن اللّه عز وجل يقول في ذكر اليتيمين :
« وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما ، وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً »
وقال على لسان يعقوب لابنه يوسف
« وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » .
هامش
( 1 ) النصفة : الإنصاف . ( 2 ) برّز : فاق أصحابه ، والشأو : الغاية .