كانت منّته عليه من أقربيه وحشويّه « 1 » ، فإنّ يسير ما هو معان من تأديتهم ، لا ينشب أن يتجاوز أدنى المراتب إلى أقاصيها ، وقريبها إلى منتاهيها ، حتى يستفيض شاملا عامّا ، بعد أن بدا محلّلا « 2 » خاصّا .
واعلموا أن أمير المؤمنين متفقّد من تثقيفكم وتقويمكم على صالح الأدب ، ومحمود السّيرة ، ما لا يتفقّد به من سواكم ، فإنه إن كان يوحب على نفسه استصلاح الرعية ، وحملهم على ما فيه رشدهم وقوامهم ، لما يلزمه من فضل العناية بالأخصّ والأولى فالأولى ، فإن في إخلائكم من التقديم في التأديب والتعهّد وجوها من الضرر ، منها :
أنكم أولى بحسن الطاعة وسرعة الإجابة ، للطف محلّكم ، وقرب مكانكم عند أمير المؤمنين . ومنها : أنكم يأنس بكم المؤتمّون ، ويقتدى بكم التابعون ، فمتى قصّرتم وأخللتم ، اقتفى أثركم من نصبتم له أعلاما ، ثم لم يكن لكم أن تزروا « 3 » عليه ، ولا أن تأخذوا فوق يده ، بل كان قمينا « 4 » أن يكون يسومكم الرّضا بمثل ما سمتموه ، ثم تجرى هذه العادة في الطّبقات ، حتى يطّرد السّياق ، إلى أن يستفيض الفساد في حشو الناس وعامّتهم ، فلا تغنى قوة ولا حزم ولا شدّة إلا العجز والإضاعة ، ثم يجد الأعداء مساغا إلى الطعن والعيب ، فلا يملكون أن يرهقوكم « 5 » ، ويستولى عليكم الفشل ، فإن الأيدي إنما تبسط بنفاذ العزائم ، والعزائم إنما تنفذ بثبات الحجّة ، والحجة إنما تثبت إذا كانت عن الحق ، وإذا أضيع أوّل هذه الرسوم التي رسم لكم أمير المؤمنين
هامش
( 1 ) نسبه إلى حشو ، ومعناها الحاشية والأتباع ، وقد تقدم في رسالة يحيى بن زياد الحارثي ص 209 « وأما الحشو من الجند والرعاع . . » وجاء أيضا في رسالة الجاحظ في مدح التجارة وذم عمل السلطان في كتاب الفصول المختارة من كتب الجاحظ ( هامش الكامل للمبرد 2 : 247 ) : « وهذا الكلام لا يزال ينجم من حشونة أتباع السلطان ، فأما عليتهم ومصامصهم وذو والبصائر والتمييز منهم . . . »
( 2 ) أي ذا محل محدود خاص .
( 3 ) زرى عليه كرمى : عابه ، كأزرى ، لكنه قليل .
( 4 ) أي جديرا وخليقا ، وسامه الأمر : كلفه إياه ، وفي الأصل « بمثل ما سمعتموه » وهو تحريف .
( 5 ) أرهقه : حمله على ما لا يطيق .