في دولتكم بريبة التمويه ، وخدع التشبيه ، أيسر عليه كلفة ، وأعظم فيكم جرحا ونكاية ، فتوقّوا هذه الطبقة أشدّ التوقّى ، فإن أكثر من يلجأ إلى استباحة الحيلة ، من عجز عن المباداة « 1 » والإصحار ، وعند ظهور الحازم وغلبته يحترز من لطيف الخدع ، وخفىّ الاستدراج .
واحذروا - معشر شيعة أمير المؤمنين - من استمهال الطّاءة « 2 » ، والركون إلى راحة الدّعة ، ما قد رأيتم وباله عاد على أهله ، وأورثتهم عواقبه طول الندم والحسرة ، فإنكم قد كنتم في حال المراقبة لعدوّكم ، والخوف لبائقته « 3 » ، متيقّظين متحفّظين لما كان يرومكم به من ختله « 4 » وحيله ، ثم أفضيتم إلى الحجّ ، وقد جهدكم السعي ، ومسّكم النّصب ، وسيلقى الشيطان في أمانيّكم أن قد اكتفيتم بسالف ما قاسيتم ، ويجد من ضعف العزائم معينا داعيا إلى اعتنام الخفض ، والإحلاد إلى الأرض ، ما لم تعتصموا بما عاينتم من الاعتبار ، وتمتثلوا مواضى الآثار فيمن سلف من القرون الخالية ، وما أفضت به إليه الغرّة من زوال النعم ، ووقوع الغير ، فإن جميع ما خوّلكم اللّه وأفادكم مرتهن بما ألزمكم من حياطته واستمائه ، فقد وجبت عليكم الحجّة بما حضّكم اللّه عليه ، وعظمت عليكم المنّة بما هداكم إليه ، وأراكم من آياته ومثلاته « 5 » فيمن خلا قبلكم ، ما فيه أبلغ الإعذار والإنذار لكم ، ومن اجتمع له اقتناء صواب من تقدّمه ، إلى ما ينبعث من نفسه ، فكأنّه قد اختبر بالتجربة ، مع استمداده بما يستفيد ويستزيد ما يفتح لبّه ورأيه . وأيقنوا أنكم لن تصلوا إلى من
هامش
( 1 ) بادي بالعداوة : جاهر بها ، وأصحر : برز وانكشف - وأصله : خرج إلى الصحراء .
( 2 ) الطاءه : الإبعاد في المرعى .
( 3 ) البائقة : الداهية .
( 4 ) الحتل : الخداع .
( 5 ) العرب تقول للعقوبة مثلة بفتح فضم ، ومثله بضم فسكون ، فمن قال الأولى جمعها على مثلات بفتح فضم أيضا ، ومن قال الثانية جمعها على مثلات بضم الأول وضم الثاني وفتحه وسكونه ، قال تعالى :« وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ »