عدوه والإثخان في بلاده وافتتاح ممتنع حصونه ، بما جمعهم اللّه عليه من الألفة ، ورفع عنهم من الحميّة « 1 » والعصبيّة ، راجين عودتهم إلى أحسن ما مضى عليه سلفهم في عهد نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، من سلامة الصدور ، وصلاح ذات البين ، واجتماع القوى على مجاهدة من شاقّهم « 2 » ، قد أفرخ اللّه عنهم نغر « 3 » التجارب والتجاذب ، وجعل ما كان يسعى به بعضهم من الإعداد لبعض ، زيادة في ريحهم « 4 » ، وحدّا في شوكتهم ، لائتلافهم في دولة أمير المؤمنين المجدودة « 5 » المؤيّدة بصدق الضمائر ، ونفاذ البصائر ، وإلى اللّه يرغب أمير المؤمنين في إعانته على صالح نيته ، وتبليغه منتهى سؤله ، وغاية همته ، في إعزاز دينه ، وإذلال من صدّ عن سبيله ، إنه سميع قريب .
ومن أقوى الأسباب إلى استدعاء الشكر على النعمة تذكّر ما كانت عليه الحال قبلها ، فاستديموا الإفاضة فيما رفع اللّه من خساستكم ، وأعلي من أقداركم ، بنصرة أهل بيت نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ، وما أبلاكم اللّه في الدعوة الأولى ، مما لا يؤدّى حقّه إلّا بعون اللّه وتوفيقه ، فإنه ارتاح لهم « 6 » بلطفه وتوفيقه ، فأنالهم رغائب الأقسام ، وسنىّ الحظوات ، ورفع درجهم ودرج خلوفهم وأعقابهم من بعدهم ، بعد إذ هم مستضعفون يخافون أن يتخطّفهم الناس ، مذعنون بقهر عدوهم واستئثاره عليهم ، ثم لم يلبثوا أن صاروا إلى الحال التي يرونهم بها من الغبطة والبهجة ، إلا أنهم أخذوها بحقّها ، وكانت في أيدي الظّلمة من أهل بيت اللّعنة وأتباعهم ، بخلسة الباطل ، ومحنة الابتلاء
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ »
.
وليس أحد منكم بخارج من المحنة بما ألبس من النعمة ، وإن كنتم أهلها
هامش
( 1 ) الحمية : الأنفة .
( 2 ) شاقه : خالفه وعاداه .
( 3 ) أفرخ : أي سكن وهدأ ، ونغر عليه كفرح وضرب ومنع نغرا ونغرانا بحركتين : غلى جوفه من الغضب والغيظ ، وهو من نغرت القدر . إذا غلت وفارت ، وفي الأصل الأول « قد أفرد اللّه عنهم نفرة التحارب » والمعنى عليه صحيح .
( 4 ) الريح : القوة .
( 5 ) المجدود : العظيم الجد بالفتح ، وهو الحظ .
( 6 ) أي لأهل بيت نبيه ، وارتاح اللّه له برحمته : أنقذه من البلية .