تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
ما يباشرون من أنفسهم في تصرّف أحوالهم ، وفنون انتقالهم ، وما تظهرون عليه من العجز عن التأتّى « 1 » لما تكاملت به قواهم ، وتمّت به أدواتهم ، مع أثر تدبير اللّه عز وجلّ وتقديره فيهم ، حتى صاروا إلى الخلقة المحكمة ، والصورة المعجبة ، ليس لهم في شئ منها تلطّف يتيمّمونه ، ولا مقصد يعتمدونه من أنفسهم ، فإنه قال تعالى ذكره
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ »
ثم ما يتفكّرون فيه من خلق السماوات ، وما يجرى فيها من الشمس والقمر والنجوم مسخّرات ، على مسير [ لا يثبت العالم إلا به ] : من تصاريف الأزمنة التي بها صلاح الحرث والنّسل ، وإحياء الأرض ، ولقاح النبات والأشجار ، وتعاور « 2 » الليل والنهار ، ومرّ الأيام والشهور والسنين التي تحصى بها الأوقات ، ثم ما يوجد من دلائل التركيب في طبقات السّقف المرفوع ، والمهاد الموضوع ، [ باختلاف ] أجزائه والثئامها ، وخرق الأنهار ، وإرساء الجبال ، ومن البيان الشاهد على ما أخبر اللّه عزّ وجل به من إنشائه الخلق ، وحدوثه ، بعد أن لم يكن ، مترقّيا في النّماء ، وثباته إلى أجله في البقاء ، ثم محاره « 3 » منقضيا إلى غاية الفناء ، ولو لم يكن له مفتتح عدد ، ولا منقطع أمد ، ما ازداد بنشوء ، ولا تحيفّه « 4 » [ نقصان ] ولا تفاوت على الأزمان ، ثم ما يوجد عليه منفعته من ثبات بعضه لبعض ، وقوام كل شئ منه بما يسّر له ، في بدء استمداده ، إلى منتهى نفاده ، كما احتج اللّه عز وجل على خلقه فقال :
« أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً »
وقال عزّ وجلّ :
« كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ . وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ »
وكلّ ما تقدّم من الأخبار عن آيات اللّه عز وجل ودلالاته في سماواته التي بنى ، وأطباق الأرض التي دحا « 5 » ، وآثار صنعه
هامش
( 1 ) تأتى للأمر : ترفق وأتاه من وجهه . ( 2 ) التعاور : التداول . ( 3 ) المحار : الرجوع وفي الأصل « بحاره » . ( 4 ) تحيفه : تنقصه من حيفه ، والحيف ، كعنب جمع حيفة بالكسر : وهي الناحية . ( 5 ) دحا اللّه الأرض يدحوها ويدحاها دحوا : بسطها