فيما برأ وذرأ « 1 » ثابت في فطر العقول ، حتى يستجرّ أولى الزّيغ ما يدخلون على أنفسهم من الشّبهة فيما يجعلون له من الأضداد والأنداد ، جلّ عما يشركون ، ولولا توحّده بالتدبير عن كل معين وظهير « 2 » ، لكان الشركاء جدراء أن تختلف بهم إرادتهم [ فيما يخلقون ] ولم يكن التخلّف فيه من إثباته وإزالته ليخلو من أحد وجهيه ، وأيهما كان فيه فالعجز والنقص مما أتاه وبرأه ، جلّ البديع خالق الخلق ومالك الأمر عن ذلك ، وتعالى علوّا كبيرا ، كما قال سبحانه :
« مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ »
ثم من عظيم نعمة اللّه عزّ وجل على خلقه افتقاده « 3 » إياهم ، ثم يسدّدهم ويدلّهم على منافعهم ، ويجنّبهم مضارّهم ، ويهديهم لما فيه صلاحهم ، ويرغّبهم في المحافظة على التمسّك بدين اللّه عزّ وجل الذي جعله عصمة لهم ، وحاجزا بينهم .
ولولا ما تقدّم به من تلافيهم « 4 » واستدراكهم بفضل رحمته لاجتاحهم « 5 » التّلف لقصور معرفتهم عن التأتّى لأقواتهم ومعايشهم ، ولم يكونوا ليقتصروا على حظوظهم وأقسامهم عما بنوا عليه من الجمع والرغبة ، ولتهالكوا ببغى بعضهم على بعض ، وعدوان قويّهم على ضعيفهم ، ولكنه بعد تعريفه إياهم ملك قدرته ، وجلالة عزّته ، بعث إليهم أنبياءه ورسله مبشّرين ومنذرين بالآيات التي لا تنالها أيدي المخلوقين ، فرضوا بما قسط بينهم ، وارتدعوا عن التباغى والتظالم ، لما وعدوا من الثواب الجسيم ، وخوّفوا من العقاب الأليم ، ولم يكونوا ليطيعوا أمرا لآمر ، ولا نهيا لناه ، إلّا بحجّة يتبيّن بها [ الحقّ ] لمن خالفه من المبطلين ، وتخويف يتّقون به مقارفة « 6 » ما حرّ [ م عليهم ] ، ورجاء يتجشمون له مئونة ما تعبّدوا به ، فافتتح اللّه عزّ وجل بأبيهم آدم عليه السلام ،
هامش
( 1 ) برأ اللّه الخلق وذرأهم ( كجعل فيهما ) : خلقهم .
( 2 ) الظهير : المعين .
( 3 ) أي تفقده ، وفي الأصل « معاوه » .
( 4 ) في الأصل « تلافهم » .
( 5 ) أي أهلكهم واستأصلهم .
( 6 ) قارف الذنب : اقترفه وأتاه .