فعلّمه الأسماء كلّها ، وأمر الملائكة بالسجود له كما افتص في وحيه المنزل - وكرّم ولده وفضّلهم ، فقال جلّ وعزّ :
« وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا »
وجعل ما فطرهم عليه من العطف على ذراريّهم وأبنائهم سببا لما أراد من بقائهم وتناسلهم ، وما اختصّهم به من العلم والفهم حجّة عليهم ، ليمتحن طاعتهم ، ويبلوهم « 1 » أيّهم أحسن عملا .
ولم تزل رسل اللّه عز وجل إلى خلقه تترى « 2 » بالنور الساطع ، والبرهان القاطع ، لا يجدون لما يوردون عليهم من الحق القاهر مردّا ولا مدفعا ، لقول اللّه عزّ وجل :
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ »
فلم يجد المكذّبون مساغا « 3 » إلى دفع ما أقيم عليهم من لازم الحجة إلا المعاندة والمجاحدة ، وكان أنبياء اللّه صلوات اللّه عليهم يبعثون في أعصار الحقب « 4 » نذرا للأمم ، حتّى ختمهم اللّه عز وجل بالنبىّ الأمّىّ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فبعثه فردا وحيدا لا عاضد له ولا رافد « 5 » ، إلى قوم يعبدون أصناما بكما ، وحجارة صمّا ، فكذّب به القوم الذين بعث فيهم أول ما دعاهم ، ورامه ملوك أقطار البلاد بتوجيه الأجناد ، ومرافدة القوة والعتاد « 6 » ، وبغى الغوائل ، ونصبت له الحبائل ، وهو يدعو إلى سبيل ربه بما أمره به إذ يقول تعالى :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
ثم جاهد بمن أطاعه من عصاه ، وبمن اتّبعه من خالفه ، حتى أعزّ اللّه كلمته ، وأظهر دعوته ، وأكمل لعباده دينهم الذي ارتضى لهم ، فلما اختار اللّه له ما لديه ، واختصّه بما عنده ، من النعيم
هامش
( 1 ) أي يختبرهم .
( 2 ) يقال : جاءوا تترى وينون ، وأصله وترى : أي متواترين متتابعين .
( 3 ) أي مدخلا وطريقا .
( 4 ) الحقب جمع حقبة بالكسر ، والحقبة من الدهر : مدة لا وقت لها .
( 5 ) الرافد : المعين الواصل .
( 6 ) العتاد : العدة .