114 - كتاب في البيعة لمحمد بن حجر « 1 »
« أما بعد ، فإن أمير المؤمنين بمنّ اللّه ونعمته عليه وحسن بدئه وبلائه « 2 » عنده ، لم يزل مذ حمّله رعاية هذه الأمة ، وقلّده حريمهم « 3 » ، يفعل كذا .
وقد كان من حادث نعمة اللّه على هذه الأمة في حينه هذا وزمانه ، أن أخرج لهم من ذرّية أمير المؤمنين ذريّة مباركة طيّبة ، حذاهم على مثاله ، وحلّاهم بحليته ، وجعل فيهم ولىّ عهده ، فلمّ بهم أمورهم ، وسدّ بهم ثغورهم ، ثم أحدث نعمه عليهم ما ألّف بين قلوبهم ، وأفشى ذكره في خاصّتهم وعامتهم ، وسمت نحوه أبصارهم ، من البيعة لهارون ابن أمير المؤمنين ، وما أمّلوا في ذلك ورجوا . من ألفتهم في دينهم ، والبلوغ لأفضل أملهم ، ولم يكن اللّه ليختار للقيام بأمر هذه الأمة ، والذّبّ عن دينها إلا من بيت نبيّه صلى اللّه عليه وسلم وخيرته وصفوته مضطلعا « 4 » في رأيه ، كاملا في فضله ، سائسا قويّا على طاعته ، ولو أن الرعية عدلت بأبصارها عنه ، أو قصدت بأهوائها دونه لمحقها اللّه ، [ إذ أفاض عليها ببركته ويمنه ، من الخير والصلاح « 5 » ] ما أصبحت تتقلّب فيه من نعمته ، وتتسربله من كرامته ، كما قد عرّفهم وأراهم من حسن ثوابه على صدق نياتهم فيه ، وعظيم رجائهم له ، وقد أتتنا بيعة هارون على حين ظمأ إليها ، وتطلّع نحوها ، فتبادرتها أكفّنا ، وأسرع إليها شاهدنا وغائبنا ، وبايعنا بيعة رضوان من اللّه ، بصحّة من نيّاتنا ، وسلامة من صدورنا ، مستبشرين ببيعتنا ، راغبين فيما صفقت « 6 » عليه أيماننا ، عارفين بأنها مفتح نعمة ، ومقدّمة فضيلة ، ودرجة
هامش
( 1 ) هو محمد بن حجر بن سليمان ، كاتب العباس بن محمد أخي المنصور ، وهو كاتب بليغ مترسل - انظر الفهرست ص 172 ، ص 181 - .
( 2 ) أي نعمته .
( 3 ) الحريم : ما تحميه وتقاتل عنه .
( 4 ) أي قويا .
( 5 ) في الأصل « لمحقها اللّه صلح ما أصبحت تتقلب . . . » والعبارة كما ترى مضطربة ، وقد زدت ما بين القوسين ليستقيم المعنى .
( 6 ) صفق يده بالبيعة والبيع كضرب وعلى يده : ضرب بيده على بده ، وذلك عند وجوب البيع .