تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أن يروم تعزية أمير المؤمنين ، ولا لمؤس « 1 » تأسية ، إعظاما له عن ذلك ، وتوفيرا لجلال منزلته ، واكتفاء به في ذلك بنفسه ، مع الذي يحقّ على جميع المسلمين من الوقوف على مساماة فضله ، والترقّى في رفيع درجته ، فعظّم اللّه على الحادث النازل أجره ، وأحسن على الخلافة عونه ، ثم لا وكله اللّه في شئ من الأمور إلى نفسه ، وألهمه العمل بما يرضيه ، ويبلغ به تأدية حقّه فيما استرعاه واستحفظه ، وجعله أهله وأحقّ به ، واللّه فاعل ذلك إن شاء اللّه والسلام » . ( اختيار المنظوم والمنثور 13 : 310 )

98 - تعزية لغسان بن عبد الحميد عن خليفة « 2 »

« أما بعد : فإن اللّه تبارك وتعالى جعل المقادير علما ثابتا عنده ، وكتابا سابقا منه ، فجرت عليه ومضت به الأمور في قدرته ، والعباد في قبضته ، وليس عبد من عبيده إلا وقد كان عمره في الدنيا موظوفا قبل خلقه ، وكان ما يصيبه منها مكتوبا عليه قبل أن ينزل به ، ثم جعل أهل عبادته أهل حظوظ متكاملة في السعادة ، وأهل فضائل متظاهرة في الكرامة ، فاصطفى منهم أنبياءه ، وانتجب « 3 » منهم خلفاءه ، وألزمهم على ذلك الموت الذي لابدّ منه ، وجعله الحياة لهم فيما عنده ، فكانت وقاة من توفّى « 4 » منهم له سعادة فيما يصيّرهم إليه ، وحياة من أحيا منهم له كرامة فيما يصطنعهم له ، فيمضى الأول منهم سعيدا ، ويبقى الباقي منهم مصطنعا ، فلا تنقطع الدنيا بماضيهم إلا إلى خير منها ، ولا يبقى باقيهم إلا ليزداد خيرا فيها ، قد أخذوا من اللّه بأسباب أصلح لهم بها معادهم في آخرتهم ، وحفظ لهم بها دنياهم في محياهم ، يعرف حقّ الميت منهم بعد موته ، كما كان يعرف حقّه في حياته ، ويعظّم حقّ الحىّ منهم للمنزل الذي أنزله اللّه به .
هامش
( 1 ) أساه تأسية : عزاه . ( 2 ) أرى أن هذه الرسالة تعزية من غسان للمهدى عن أبيه المنصور . ( 3 ) أي اختار ( 4 ) عائد الموصول محذوف : أي من توفاه .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 130 | أحمد زكي صفوت