201 - ما قاضى عليه سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير
ولما فرغ موسى بن نصير هو ومولاه طارق بن زياد من فتح بلاد الأندلس ، قدم موسى إلى دمشق يحمل إلى الوليد ما أحرزه من الغنائم والأسلاب النفيسة ، وكان ذلك قبيل وفاة الوليد ، فوجد عليه سليمان بن عبد الملك ، وأفضت إليه الخلافة فبعث إلى موسى وعذّبه ، ثم قاضاه على مال يفتدى به نفسه وخلّى سبيله « 1 » ، وكانت نسخة القضية :
« هذا ما قاضى عليه عبد اللّه سليمان أمير المؤمنين موسى بن نصير ، قاضاه على
هامش
- فلا يأتيه من قبلك شئ إلا استقله ، فكأني بك قد استغرقت ما سميت ولم يقع منه موقعا ، ويبقى المال الذي سميت مخلدا عندهم عليك في دواوينهم ، فإن ولى وال بعده أخذك به ، وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه ، فلا تمض كتابك ، ولكن اكتب بالفتح وسله القدوم ، فتشافهه بما أحببت مشافهة وتقصر ، فإنك إن تقصر عما أحببت أحرى من أن تكثر » فأبى يزيد وأمضى الكتاب .
وقد صدق حدس المغيرة ، فإن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة - وكان يبغض يزيد وأهل بيته ويقول : هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم - دعا يزيد وسأله عن تلك الأموال التي كتب بها إلى سليمان ابن عبد الملك فقال : كنت من سليمان بالمكان الذي رأيت ، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به ( والتسميع : إزالة الخمول بنشر الذكر ) وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذنى بشئ سمعت به ولا بأمر أكرهه ، فقال له : ما أجد في أمرك إلا حبسك ، فاتق اللّه وأد ما قبلك ، فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها ، وأمر به فحبس .
( 1 ) وذلك أن موسى بن نصير قدم على الوليد وهو في آخر شكايته التي توفى منها ، وكان سليمان بن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد يأمره بالتثبط في مسيره وألا يعجل ، فإن الوليد بآخر رمقه ، فلما أتى موسى بالكتاب من سليمان وقرأه قال : حييت واللّه ما غدرت ، واللّه لا تربصت ولا تأخرت ولا تعجلت ، ولكني أسير بمسيرى فإن أوافه حيا لم أتخلف عنه . وإن عجلت منيته فأمره إلى اللّه ، فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه ، فقال : لئن ظفرت بموسى لأصلبنه أو لآتين على نفسه . وكان الوليد لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه ، وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره ، خوف أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه ، وإرادة أن يحرم سليمان ما جاء به ، وأقبل موسى حتى دخل على الوليد ، وقدم إليه الطرائف التي اجتلبها معه ، ولم يلبث الوليد أن مات وصارت الخلافة إلى سليمان ، فبعث إلى موسى فشتمه وتوعده وأقامه في الشمس في يوم صائف شديد الحر وكان كبير السن بادنا ، وكانت به نسمة ( والنسمة محركة : الربو ) فلما أصابه حر الشمس وأتعبه الوقوف هاجت به ، فارتفع نفسه وعظم بهره ( والبهر بالضم : انقطاع النفس من الإعياء ) وتصبب عرقه ، فما زال كذلك حتى سقط مغشيا عليه ، فكلمه عمر بن عبد العزيز فيه ، وضمه إليه يزيد بن المهلب ، وقاضاه سليمان على مال يدفعه إليه وخلى سبيله .