ونزل « الزّاوية » « 1 » وخلّى البصرة لأهل العراق فنزلوها ، وبايع ابن الأشعث على حرب الحجاج وخلع عبد الملك ، جميع أهلها ، ودارت رحى الحرب ، فانهزم أهل الشام فصبروا وصدقوا القتال حتى انتصروا ، وانهزم جيش ابن الأشعث ، فأقبل نحو الكوفة حتى دخلها فبايعه أهلها ، وأقبل الحجاج بجيوشه نحوها فنزل دير قرّة ، فخرج ابن الأشعث إلى دير الجماجم « 2 » ، واجتمع أهل العراق جميعا على حرب الحجاج ، جمعهم عليه بغضهم وكراهيتهم له ، واشتد القتال بين الفريقين ، وأراد عبد الملك أن يترضّى أهل العراق ، فبعث يعرض عليهم عزل الحجاج عنهم ، وأن ينزل ابن الأشعث أىّ بلد من العراق شاء ، يكون عليه واليا ما دام حيا ، وكان عبد الملك واليا ، فلم يأت الحجاج أمر قطّ كان أشدّ عليه ، ولا أغيظ له ، ولا أوجع لقلبه منه ، مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم ، فكتب إلى عبد الملك :
« يا أمير المؤمنين ، واللّه لئن أعطيت أهل العراق نزعى ، لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك ، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفّان ؟ فلما سألهم : ما يريدون ؟ قالوا : نزع سعيد ابن العاص « 3 » فلما نزعه لم تتمّ لهم السّنة حتى ساروا إليه فقتلوه ، إن الحديد بالحديد يفلج « 4 » ، خار « 5 » اللّه لك فيما ارتأيت ، والسلام عليك » .
فأبى عبد الملك إلا عرض ذلك على أهل العراق إرادة العافية من الحرب ، فجمعهم عبد الرحمن ، وحثّهم أن ينتهزوا تلك الفرصة ، ويقبلوا ما عرض عليهم ، فأبوا وركبوا رؤوسهم ، وقالوا : لا واللّه لا نقبل ، وأعادوا خلع عبد الملك ثانية ، وبرزوا للقتال ، فوقعت بينهم وبين الحجاج بدير الجماجم مواقع هائلة استمرت مائة يوم ، وانتهت بهزيمة ابن الأشعث وجنده ( في 14 من جمادى الآخرة سنة 83 ) .
( تاريخ الطبري 8 : 16 )
هامش
( 1 ) موضع قرب البصرة .
( 2 ) بظاهر الكوفة ، ودير قرة بإزائه .
( 3 ) انظر ص 271 من الجزء الأول .
( 4 ) أي يشق ويقطع .
( 5 ) أي جعل لك فيه الخير .