نفس الظّانّ بنا ترك المظلمة ، وحبّ الهجوع إلا تهويمة « 1 » الراكب العجل ، حتى تجذّ الجماجم جذّ العراجين المهدّلة حين ابتياعها ، وأنا - على صحة نيّتى ، وقوة عزيمتي ، وتحريك الرحم لي وغليان الدم منى - غير سابقك بقول ، ولا متقدّمك بفعل ، وأنت ابن حرب طلّاب التّرات « 2 » ، وآبى الضّيم ، وكتابي إليك وأنا كحرباء السّبسب في الهجير ترقب عين الغزالة ، وكالسّبع المفلت من الشرك يفرق من صوت نفسه ، منتظرا لما تصحّ به عزيمتك ، ويرد به أمرك ، فيكون العمل به والمحتذى عليه » .
وكتب في أسفل الكتاب :
أيقتل عثمان وترقا دموعنا * ونرقد هذا الليل لا نتفزّع ؟ « 3 »
ونشرب برد الماء ريّا ، وقد مضى * على ظمأ ، يتلو القران ويركع ؟
فإني ومن حجّ الملبّون بيته * وطافوا به سعيا ، وذو العرش يسمع
سأمنع نفسي كلّ ما فيه لذّة * من العيش حتى لا يرى فيه مطمع
وأقتل بالمظلوم من كان ظالما * وذلك حكم اللّه ما فيه مدفع
337 - كتاب عبد اللّه بن عامر إلى معاوية
وكتب إليه عبد اللّه بن عامر :
« أما بعد ، فإن أمير المؤمنين كان لنا الجناح الحاضنة تأوى إليها فراخها تحتها ، فلما أقصده « 4 » السهم صرنا كالنّعام الشارد ، ولقد كنت مشرّد الفكر ، ضالّ الفهم ، ألتمس دريّة أستجنّ بها من خطأ الحوادث ، حتى دفع إلىّ كتابك فانتبهت من
هامش
( 1 ) التهويم : هز الرأس من النعاس ، وتجذ : تقطع ، والعراجين جمع عرجون كعصفور ، وهو أصل العذق ( بالكسر ) الذي يعوج ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا ، والرحم : القرابة .
( 2 ) التراث جمع ترة رهى الثأر ، والسبسب المفازة ، والغزالة : الشمس ، ويفرق : يخاف .
( 3 ) رفأ الدمع كجعل : جف وسكن .
( 4 ) أقصد السهم : أصاب فقتل مكانه ، والدرية والدريئة : كل ما استتر به الصيد ليختل ، واستجن :
استتر ، والمحجة : الطريق الواضح