وأما من كان لك من السابقين الأولين فهلّا استعملتهم ! فو اللّه ما دققت لك بابا » .
فكتب إليه عمر :
« أما بعد ، فإني لست من تسطيرك وتشقيقك الكلام في شئ ، إنكم معشر الأمراء أكلتم الأموال ، وأخلدتم إلى الأعذار ، فإنما تأكلون النار وتورثون العار ، وقد وجّهت إليك محمد بن مسلمة ليشاطرك ما في يديك ، والسلام » « 1 » .
( شرح ابن أبي الحديد م 3 ص : 104 )
184 - كتاب أبى عبيد بن مسعود الثقفي إلى عمر
ولما انتصر أبو عبيد بن مسعود الثّقفى على جيش الفرس في وقعة السّقاطية « 2 » سنة 13 ه ، وجمع الغنائم بعث بخمسها إلى عمر بن الخطاب ، وكتب إليه :
هامش
( 1 ) فلما قدم عليه محمد بن مسلمة صنع له عمرو طعاما كثيرا وقدمه إليه ، فأبى أن يأكل منه شيئا ، فقال له عمرو : ما لك لا تأكل ؟ أتحرمون طعامنا ؟ فقال : لو قدمت إلى طعام الضيف لأكلته ، ولكنك قدمت إلى طعاما هو تقدمة للشر ، نح عنى طعامك ! وأحضر لي مالك واكتب لي كل شئ هو لك ولا تكتمه .
فشاطره ماله بأجمعه حتى بقيت نعلاه فأخذ إحداهما وترك الأخرى ، فلما رأى عمرو ما حاز محمد من المال غضب وقال : قبح اللّه زمانا عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب فيه عامل ! واللّه إني لأعرف الخطاب يحمل فوق رأسه حزمة من الحطب وعلى ابنه مثلها ، وما منهما إلا في نمرة لا تبلغ رسغيه ( والنمرة بفتح فكسر :
شملة فيها خطوط بيض وسود ، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب ) واللّه ما كان العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزررا بالذهب . فقال له محمد : إيها يا عمرو ، فعمر واللّه خير منك ، وأما أبوك وأبوه ففي النار ، وو اللّه لولا ما دخلت فيه من الاسلام لألفيت معتقلا عنزا بفناء دارك يسرك غزرها ، ويسوءك بكؤها ( غزرت الماشية ككرم غزارة وغزارا بالفتح وغزارا بالضم : درت ألبانها ، وبكأت الشاة والناقة كجعل وكرم ، بكأ وبكاءة بالفتح وبكوءا وبكاء بالضم : قل لبنها ) فقال له عمرو : أنشدك اللّه أن تخبر عمر بقولي فان المجالس بالأمانة ، فقال لا أذكر شيئا مما جرى بيننا وعمر حي .
( 2 ) كان أول ما عمله عمر رضى اللّه عنه في خلافته أن ندب الناس إلى أهل فارس مع المثنى بن حارثة الشيباني أمير جند العراق ، فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي . فقدم العراق وهو الأمير على المثنى وغيره ، وكان الفرس قد عسكروا بالنمارق ، فقاتلهم أبو عبيد قتالا شديدا ، وهزم الفرس ، وأخذوا نحو كسكر ( كجعفر ) وكانت قطيعة لنرسى ابن خالة كسرى ، فسار إليهم أبو عبيد والتقوا بالسقاطية أسفل من ككر ، ودارت الدائرة على جيش الفرس ، وهرب نرسى وغلب على عسكره وأرضه ، وجمع أبو عبيد الغنائم ، وأخذت خزائن نرسى وفيها النرسيان بكسر النون والسين وهو تمر كان النرسي يحميه . لا يأكله إلا ملوك الفرس ، أو من أكرموه بشئ منه ، ولا يغرسه غيرهم - فجعلوا يطعمونه الفلاحين ، وبعث أبو عبيد بخمسه إلى عمر ، وكتب إليه الكتاب المذكور .