تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا ، وذي نخوة قد ردّته ذليلا ، وكم من ذي تاج قد كبّته « 1 » لليدين والفم ، سلطانها دول ، وعيشها رنق وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام « 2 » وأسبابها رمام « 3 » ، وقطاعها سلع « 4 » ، حبّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ومنيعها بعرض اهتضام ، مليكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وسليمها منكوب ، وجامعها محروب « 5 » ، مع أن وراء ذلك سكرات الموت ، وهول المطّلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل « ليجزى الّذين أساءوا بما عملوا ، ويجزى الّذين أحسنوا بالحسنى » . ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا ، وأوضح منكم آثارا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا ، وأعتد عتادا « 6 » ، وأطول عمادا ، تعبّدوا « 7 » للدنيا أىّ تعبّد ! وآثروها أىّ إيثار ! وظعنوا عنها بالكره والصّغار ! فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب « 8 » ؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح « 9 » ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعقرتهم بالمصائب « 10 » ، وقد رأيتم تنكّرها
هامش
( 1 ) صرعته وقلبته . ( 2 ) رنق الماء كفرح ونصر : كدر ، فهو رتق كعدل وكتف وجبل ، وأجاج : ملح مر ، وسمام جمع سم مثلث السين . ( 3 ) أسباب جمع سبب : وهو الحبل ، ورمام : بالية ، حبل أرمام ، ورمام : أي بال . ( 4 ) السلع : شجر مر ، أو سم : أو ضرب من الصبر ، أو بقلة خبيثة الطعم . ( 5 ) مسلوب ، من حربه حربا كطلبه طلبا : سلب ماله فهو محروب وحريب ، وفي رواية : « وجارها محروب » . ( 6 ) العتاد : العدة ، وقد عتد ككرم عتادا فهو عتيد : أي حاضر مهيأ معد ، وفي رواية : « وأعند عنودا » من عند عن الطريق كنصر وسمع وكرم عنودا : أي مال ، وفي رواية : « وأشد عقودا » . ( 7 ) أي استعبدتهم الدنيا ، تعبده : اتخذه عبدا . ( 8 ) أي بشأن وأمر . ( 9 ) الفوادح : النوائب المثقلة ، من فدحه الدين إذا أثقله ، وفي رواية : « القوادح » والقوادح جمع قادح : وهو أكال يقع في الشجر والأسنان ، وفي رواية : « وأوهقتهم » أي جعلتهم في الودق بفتح الهاء وتسكينها : وهو حبل كالطول . ( 10 ) وفي رواية : « وعقرتهم بالفجائع » وفي رواية « وعفرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم » ، عفرتهم للمناخر : ألصقت أنوفهم بالعفر ( كسبب ويسكن ) وهو التراب والمناخر جمع منخر بفتح الميم والخاء ، وبكسرهما ، وبضمهما وكمجلس : الأنف ، والمناسم جمع منسم كمجلس وهو خف البعير .