لمن دان « 1 » لها ، وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد ، إلى آخر المسند « 2 » ، هل زوّدتهم إلّا السّغب « 3 » وأحلتهم إلا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلّا الظّلمة ، أو أعقبتهم إلا الندامة ؟ أفهذه تؤثرون ، أم على هذه تحرصون ، أم إليها تطمئنون ؟ يقول اللّه جلّ ذكره :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
فبئست الدار لمن لم يتّهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها .
فاعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لا بدّ ، فإنّما هي كما وصفها اللّه باللّعب واللهو وقد قال اللّه تعالى :
« أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ، وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ، وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ »
« 4 » ، واتعظوا فيها بالذين قالوا :
« من أشدّ منّا قوّة ؟ » ، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون « 5 » ضيفانا ، وجعل لهم من الصّريح أكنان ، ومن التراب أكفان ، ومن الرّفات جيران « 6 » ، فهم حيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة « 7 » ، إن أخصبوا « 8 » لم يفرحوا ، وإن قحطوا « 9 » لم يقنطوا ، جمع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد ، متناءون لا يزورون ولا يزارون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء
هامش
( 1 ) أي خضع لها وذل ، وفي رواية : « لمن رادها » أي طلبها : رودا ، وأخلد إليها : مال .
( 2 ) المسند : الدهر ، وفي رواية « إلى آخر الأمد » .
( 3 ) الجوع ، وفي رواية :
« الشقاء » والضنك : الضيق .
( 4 ) نزلت في عاد قوم هود ، الريع : المرتفع من الأرض ، آية :
أي أبنية وقصورا يفتخرون بها ، ويعبثون بالفقراء ، ويتطاولون عليهم من أجلها ، والمصانع : المباني من القصور والحصون .
( 5 ) وفي رواية « فلا يرعون » أي فلا يرعاهم أحد .
( 6 ) الأكنان جمع كن بالكسر : وهو وقاء كل شيء وستره . والضريح : القبر أو الشق وسطه ، وفي رواية : « وجعل لهم من الصفيح أجنان » والأجنان جمع جنن كسبب : وهو القبر ، والصفيح : الحجارة العراض ، والرفات :
العظام البالية .
( 7 ) المندبة : الندب على الميت .
( 8 ) وفي رواية : « إن جيدوا » من جادهم الغيث إذا أمطروا .
( 9 ) قحط الناس كمسع ، وقحطوا وأقحطوا مبنيين للمجهول ( قليلتان ) ، وبكل روى .