تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤

435 - خطبة قطرىّ بن الفجاءة « 1 »

وصعد قطرىّ بن الفجاءة منبر الأزارقة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد : فإني أحذّركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة « 2 » ، حفّت « 3 » بالشهوات ، وراقت « 4 » بالقليل ، وتحبّبت بالعاجلة « 5 » ، وحليت « 6 » بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لا تدوم حبرتها « 7 » ، ولا تؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، خوّانة غدّارة ، وحائلة « 8 » زائلة ، ونافدة « 9 » بائدة ، أكّالة غوّالة « 10 » ، بدّالة نقّالة ، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنيّة أهل الرغبة فيها ، والرضا عنها ، أن تكون كما قال اللّه تعالى :
« كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ
هامش
- في السوق حاسرة بادية المحاسن ، فاعترضوها وقلبوها ، وكانت من أكمل الناس كمالا وحسنا ، فتزايدت فيها العرب والموالى ، حتى بلغوها تسعين ألفا ، فأقبل رجل من الخوارج من عبد القيس من خلفها ، فضرب عنقها ، فأخذوه ورفعوه إلى قطري بن الفجاءة ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن هذا استهلك تسعين ألفا من بيت المال ، وقتل أمة من إماء المؤمنين : فقال له : ما تقول ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت هؤلاء قد تنازعوا عليها ؛ حتى ارتفعت الأصوات ؛ واحمرت الحدق ؛ فلم يبق إلا الخبط بالسيوف ؛ فرأيت أن تسعين ألفا في جنب ما خشيت من الفتنة بين المسلمين هينة ، فقال قطري : خلوا عنه ، عين من عيون اللّه أصابتها » ا ه . ( 1 ) أورد الشريف الرضى رحمه اللّه هذه الخطبة في نهج البلاغة ؛ وعزاها إلى الإمام على كرم اللّه وجهه وكذلك القضاعي في دستور معالم الحكم ؛ وقال ابن أبي الحديد في شرحه ( م 2 : ص 242 ) : « وهذه الخطبة ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في البيان والتبيين ؛ ورواها لقطرى بن الفجاءة ؛ والناس يروونها لأمير المؤمنين عليه السلام ، وقد رأيتها في كتاب المونق لأبى عبيد اللّه المرزباني ، مروية لأمير المؤمنين عليه السلام وهي بكلام أمير المؤمنين أشبه وليس يبعد عندي أن يكون قطري قد خطب بها بعد أن أخذها عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن الخوارج كانوا أصحابه وأنصاره ، وقد لقى قطري أكثرهم » . ( 2 ) أي ناضرة ، من خضر الزرع كفرح ، فهو أخضر وخضر وهو من كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - انظر خطبته في الجزء الأول ص 151 . ( 3 ) أي أطافت بها الشهوات . ( 4 ) أعجبت أهلها بمتاع قليل ليس بدائم . ( 5 ) أي وتحببت إليهم باللذة العاجلة ، ( والنفس مولعة بحب العاجل ) . ( 6 ) حليت المرأة فهي حال وحالية كتحلت . وفي رواية : « وتحلث » . ( 7 ) الحبرة : السرور . وفي رواية : « لا تقوم نضرتها » ؛ لا تقوم : لا تثبت . والنضرة : النعمة والغنى والحسن . ( 8 ) أي متحولة متغيرة من حال يحول . وفي رواية « خاتلة » أي خادعة . ( 9 ) أي هالكة فانية من نفد ينفد كفرح . ( 10 ) أي مهلكة من غاله يغوله .