قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ، ولا يرجى دفعهم ، وكما قال اللّه تعالى :
« فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلّا قليلا ، وكنّا نحن الوارثين » ، استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة ، ففارقوها كما دخلوها ، حفاة عراة فرادى ، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياء الدائمة ، وإلى خلود الأبد ، يقول اللّه تعالى :
« كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ »
فاحذروا ما حذّركم اللّه ، وانتفعوا بمواعظه ، واعتصموا بحبله ، عصمنا اللّه وإياكم بطاعته ورزقنا وإياكم أداء حقه » .
( البيان والتبيين 1 : 63 . وصبح الأعشى 1 : 223 . والعقد الفريد 2 : 160 . وعيون الأخبار م 2 : ص 250 . ونهاية الأرب 7 :
250 . ونهج البلاغة 1 : 122 . دستور معالم الحكم ص 51 )
436 - خطبة عبد ربه الصغير
ولما دبّت عقارب الخلاف بين الأزارقة ، ولعبت بهم يد الشقاق ، خلعوا قطرىّ ابن الفجاءة ، وولّوا عبد ربّه الصغير ، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من « 1 » الشّطر ، ونشبت الحرب بينه وبين المهلب ، فأجلت الوقعة عنه قتيلا ، وقد جمع أصحابه في الليلة التي قتل في صبيحتها ، فقال :
« يا معشر المهاجرين : إن قطريّا وعبيدة « 2 » هربا طلب البقاء ، ولا سبيل إليه ، فالقوا عدوكم ، فإن غلبوكم على الحياة ، فلا يغلبنّكم على الموت ، فتلقّوا الرماح بنحوركم والسيوف بوجوهكم ، وهبوا أنفسكم للّه في الدنيا ، يهبها لكم في الآخرة » .
( الكامل للمبرد 2 : 231 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 405 )
هامش
( 1 ) أما قطري فقد ارتحل ومن معه إلى طبرستان فوجه الحجاج إليه جيشا عليه سفيان بن الأبرد فقاتلوه ، وتفرق عنه أصحابه وقتل سنة 78 ه ، وبقتله انتهت حروب الأزارقة .
( 2 ) هو عبيدة ابن هلال اليشكري من كبراء الأزارقة .