واخضرّت ، وأسقيت ، فروى ظمآنها ، وامتلأ عطشانها ، فكذلك نعدّك أنت يا أمير المؤمنين ، أضاء اللّه بك الظلمة الدّاجية « 1 » بعد العموس « 2 » فيها ، وحقن بك دماء قوم أشعر خوفك قلوبهم « 3 » ، فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وبصيرتك ، وقد علموا أنك الحرب وابن الحرب إذا احمرّت الحذق ، وعضّت المغافير « 4 » بالهام ، عزّ بأسك ، واستربط جأشك « 5 » ، مسعار هتّان ، وكّاف « 6 » بصير بالأعداء ، مغرى الخيل بالنّكراء « 7 » ، مستغن برأيه عن رأى ذرى الألباب ، برأي أريب ، وحلم مصيب فأطال اللّه لأمير المؤمنين البقاء ، ونمّم عليه النّعماء ، ودفع به الأعداء » ، فرضى عنه هشام وأمر له بجائزة .
وروى صاحب الأغانى خطبة الكميت « 8 » فقال :
هامش
( 1 ) المظلمة .
( 2 ) في الأصل : « الغموس » بالغين ؛ وهو تجريف ، والصواب « العموس » من عمس ككرم وفرح عماسة وعموسا : اشتد واسود وأظلم .
( 3 ) أشعر الخوف والهم قلبي :
لزق به ، وكل ما ألزقته بشئ : أشعرته به .
( 4 ) المغفر كمنبر ، وبهاء ؛ وككتابة : زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة ؛ أو حلق يتقنع بها المتسلح .
( 5 ) أي صار رابطا من ربط جاشه رباطة ( بالكسر ) اشتد قلبه .
( 6 ) فلان مسعر حرب ومسعار : أي موقد نار الحرب ، ومطرتان :
هطال ، ووكاف كذلك ، وهما كناية عن الجود .
( 7 ) النكراء : الأمر الشديد .
( 8 ) وكان سبب غضب هشام على الكميت : أن حكيم بن عباس الكلبي كان ولعا بهجاء مضر والكميت مضرى - فكانت شعراء مضر تهجوه ويجيبهم ، وكان الكميت يقول هو واللّه أشعر منكم ، قالوا فأجب الرجل ، قال إن خالد بن عبد اللّه القسري - والى العراق وهو يمنى - محسن إلى ، فلا أقدر أن أرد عليه ، قالوا فاسمع بأذنك ما يقول في بنات عمك وبنات خالك من الهجاء ، وأنشدوه ذلك فحمى الكميت لعشيرته ؛ فقال قصيدته المذهبة ؛ وبلغ ذلك خالدا فقال واللّه لأقتلنه ، ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن ؛ وتخيرهن نهاية في حسن الوجوه والكمال والأدب ؛ فرواهن الهاشميات - وهي قصائد قالها الكميت في مدح بني هاشم ، وكان معروفا بالتشيع لهم مشهورا بذلك ، وتعد هذه القصائد من جيد شعره ومختاره وهي مطبوعة مشهورة - ودسهن مع نخاس إلى هشام بن عبد الملك ، فاشتراهن جميعا ، فلما أنس بهن استنطقهن ، فرأى فصاحة وأدبا ، فاستقرأهن القرآن فقرأن واستنشدهن الشعر ، فأنشدته قصائد الكميت الهاشميات ؛ فقال : ويلكن ! من قائل هذا الشعر ؟ قلن الكميت بن زيد الأسدي ، قال وفي أي بلد -